ابن عجيبة
559
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ربما يظن أنه لا يمكن غير ذلك ، كما ظنه المعتزلة ، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ « 1 » ، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ « 2 » ، جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلى اللّه كغيره من الأمور ، له أن يفعل في كلها ما يشاء ، وإن جزم القول فيه ، لكنه لا يقع غير ما أخبر به ، وهذا كما تقول : اسكن هذه الدار عمرك إلا ما شاء زيد ، وقد لا يشاء زيد شيئا . فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر ، كذلك الاستثناء ، فلا يشاء اللّه قطع الخلود لأحد من الفريقين ، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة . ه . وقال الجلال السيوطي ، في « البدور السافرة في أمور الآخرة » : اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالا ، أشبهها بالصواب : أنه ليس باستثناء ، وإنما « إلا » بمعنى « سوى » ، كما تقول : لي عليك ألف درهم إلا ألفان ، التي لي عليك ، أي : سوى الألفين ، والمعنى : خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها ، فلا منتهى له . وذلك عبارة عن الخلود . والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض : التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولا ، ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به . والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده : لا آتيك ما دامت السماوات والأرض . ه . ومثله لابن عطية . قال : ويؤيد هذا التأويل قوله بعد : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي : غير مقطوع ، وهذا قول الفراء ، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى ، وسيبويه بلكن . ه . وقال الورتجبي : قال ابن عطاء : ( إلا ما شاء ربك ) من الزوائد لأهل الجنة من الثواب . ومن الزوائد لأهل النار من العقاب . ه . ( إن ربك فعال لما يريد ) من غير حجر ولا اعتراض . وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ كما تقدم . عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ : غير مقطوع ، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع ، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : السعادة على قسمين : سعادة الظاهر ، وسعادة الباطن . والشقاوة كذلك . أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب ، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب . وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان ، باليقين والاطمئنان ، في حضرة الشهود والعيان ، وفي الآخرة بدوام النظر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر . وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب . وشقاوة الباطن بالبعد عن اللّه ، وافتراقه عن حضرة مولاه . قال في نوادر الأصول : الشقاوة : فراق العبد من اللّه ، والسعادة اندساسه إليه . ه . وقال الشيخ أبو الحسن رضى اللّه عنه في حزبه الكبير : والسعيد من أغنيته عن السؤال منك ، والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك .
--> ( 1 - 2 ) الآية : 48 من سورة النساء .