ابن عجيبة

557

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ أي : مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ فلا يمهلها ، وقد يمهلها ثم يأخذها . فكل ظالم معرض لذلك . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه ليملى للظّالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته » . ثم قرأ : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ . . . . الآية . فالآية تعم قرى المؤمنين ؛ حيث عبّر بظالمة دون كافرة . قاله ابن عطية . إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ؛ وجيع عظيم ، غير مرجو الخلاص منه ، وهو مبالغة في التهديد والتحذير . إِنَّ فِي ذلِكَ الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة ، لَآيَةً ؛ لعبرة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ فيعتبر به ويتعظ ؛ لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد اللّه للمجرمين في الآخرة . وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير ؛ لفساد قلبه ، وموت روحه . ذلِكَ أي : يوم القيامة الذي وقع التخويف به ، يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ : محشورون إليه أينما كانوا . وعبّر باسم المفعول دون الفعل ؛ للدلالة على الثبوت والاستقرار ، ليكون أبلغ ؛ لأن « مجموع » أبلغ من « يجمع » . وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ أي : تشهده أهل السماوات وأهل الأرض ؛ لفصل القضاء ، ويحضره الأولون والآخرون ، لاقتضاء الثواب والعقاب . فاليوم مشهود فيه ، . فحذف الظرف اتساعا . . وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ أي : إلا لانتهاء مدة معدودة في علم اللّه ، لا يتقدم ولا يتأخر عنها ، قد اختص اللّه تعالى بها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار ؛ لأنه يزهد في الدنيا الفانية ، ويشوق إلى الدار الباقية ، ويرقق القلب ، ويستدعى مخافة الرب ، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية ، والقرون الماضية ، والأماكن الدارسة ؛ كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها ، وتركوها أحب ما كانت إليهم ؟ وفي بعض الخطب الوعظية : أين الفراعين المتكبرة ، وأين جنودها المعسكرات ؟ أين الأكاسير المنكسرة ؟ وأين كنوزها المقنطرات ؟ أين ملوك قيصر والروم ؟ وأين قصورها المشيدات ؟ أين ملوك عدن ، أهل الملابس والحيجان « 1 » ؟ وأين ملوك اليمن ، أهل العمائم والتيجان ؟ قد دارت عليهم - واللّه - الأقدار الدائرات ، وجرت عليهم برياحها العاصفات ، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام « 2 » المنكرات ، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات ، وأيمت منهم الزوجات ، وأيتمت منهم البنين والبنات . أفضوا إلى ما قدموا ، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا . فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا . وباللّه التوفيق . ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 105 إلى 108 ] يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ( 105 ) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 ) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 )

--> ( 1 ) الحيجان : جمع غير قياسي للمحجن ، وهو : عصا معقّفة الرأس كالصولجان . ( 2 ) أي : الحجارة .