ابن عجيبة
554
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فلا يخفى عليه شئ منها ، فيجازى عليها بتمامها . وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ : على حالتكم من تمكنكم في الدنيا ، وعزتكم فيها ، إِنِّي عامِلٌ على حالي ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ، يهينه في الدنيا والآخرة ، وَ سوف تعلمون مَنْ هُوَ كاذِبٌ منى ومنكم ، وَارْتَقِبُوا ؛ وانتظروا ما أقول لكم ، إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ : مرتقب لذلك . وهو فعيل بمعنى فاعل ، كالصريح والرفيع . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : لا يفقه المواعظ والتذكير إلا أهل الإيمان والتنوير . وأما القلب القاسي بالكفر والمعاصي فلا يسمع إلا ما تسمعه البهائم من الناعق والراعي . فبقدر ما يرق القلب يتأثر بالمواعظ ، وبقدر ما يغلظ باتباع الحظوظ والهوى ؛ يغيب عن تدبر المواعظ . وسبب تنوير القلب ورقته : قربه من اللّه ، وتعظيمه لحرمات اللّه ، وتعظيم من جاء من عند اللّه من أنبيائه ورسله ، وورثتهم القائمين بحجته ، كالأولياء والعلماء الأتقياء . وسبب ظلمة القلب وقساوته : بعده من اللّه ، وإهانته لحرمات اللّه ، واتخاذه أمره ظهريا ، وجعل ذكره نسيا منسيا . وباللّه التوفيق . ثم ذكر هلاك قوم شعيب ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 94 إلى 95 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 94 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا : عذابنا لقوم شعيب ، نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، لا بعمل استحقوا به ذلك ؛ إذ كل من عنده ، وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ قيل : صاح بهم جبريل فهلكوا ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ : ميتين . وأصل الجثوم : اللزوم في المكان . كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها كأن لم يقيموا فيها ساعة ، أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ، شبههم بهم ؛ لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة ، غير أن صيحة ثمود كانت من فوق ، وصيحة مدين كانت من تحت ، على ما قيل ، ويدل عليه : التعبير عنهما بالرجفة في آية أخرى « 1 » ، والرجفة في الغالب إنما تكون من ناحية الأرض . وفي البيضاوي خلاف هذا ، وهو غير جيد . قال قتادة : بعث اللّه شعيبا إلى أمتين : أصحاب الأيكة ، وأصحاب مدين ، فأهلك أصحاب الأيكة بالظلة ، على ما يأتي ، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة ؛ فهلكوا أجمعين . قيل : وآمن بشعيب من الفئتين : تسعمائة إنسان . وكان أهل الأيكة أهل غيطة وشجر ، وكان شجرهم الدّوم « 2 » - وهو شجر المقل .
--> ( 1 ) كما في قوله تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * . الأعراف 78 ، 91 . ( 2 ) الدّوم : شجر يشبه النخلة .