ابن عجيبة
552
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : فحق اللّه : كونه على بينة من ربه ، وحق النفس : تمكينه من الرزق الحسن . وحق الناس : نصحهم من غير طمع ، ولاحظ . ثم قال : وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ؛ وما توفيقي لإجابة الحق ، والصواب ، إلا بهدايته ومعونته ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ؛ فإنه القادر على كل شئ ، وما عداه عاجز بل معدوم ، ساقط عن درجة الاعتبار . وفيه إشارة إلى محض التوحيد ، الذي هو أقصى مراتب العلم باللّه . وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ؛ أرجع في جميع أموري . وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ : لا يكسبنكم شِقاقِي : معاداتى ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ من الغرق ، أَوْ قَوْمَ هُودٍ من الريح ، أَوْ قَوْمَ صالِحٍ من الصيحة ، والمعنى : لا تخالفوني فيجركم ذلك إلى الهلاك كما هلك الأمم قبلكم ، وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ؛ زمانا ولا مكانا ، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم ، فاعتبروا بهم ؛ إذ هم ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساويء ، فلا يبعد عنكم ما أصابهم . وإنما أفرد « بعيد » ؛ لأن المراد : وما إهلاكهم ، أو وما هم بشئ بعيد . وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ عما أنتم عليه ؛ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ؛ عظيم الرحمة للتائبين ، وَدُودٌ ؛ متودد إليهم ، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده ، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار . قاله البيضاوي . الإشارة : قد تضمنت خطبة شعيب عليه السّلام ست خصال ، من اجتمعت فيه فاز بسعادة الدارين : الأولى : فتح البصيرة ، ونفوذ العزيمة ، وتنوير القلب بمعرفة اللّه ، حتى يكون على بينة من ربه . الثانية : تيسير الرزق الحلال ، من غير تعب ولا مشقة ، يستعين به على طاعة ربه ، ويقوم به بمؤنة أمره . الثالثة : السعي في إصلاح عباد اللّه وإرشادهم ، ودعاؤهم إلى اللّه من غير طمع ولا حرف ، ويكون حاله يصحح مقاله ، فلا يترك ما أمر به ، ولا يفعل ما نهى عنه . الرابعة : الاعتماد على اللّه والرجوع إليه في توفيقه وتسديده ، وفي أمر دنياه ودينه ، بحيث لا يرجو إلا اللّه ، ولا يخاف إلا منه . الخامسة : الحذر والتحذير من مخالفة ما جاءت به الرسل من عند اللّه ، والتمسك بما أمروا به من طاعة اللّه ، والاعتبار بمن هلك قبله ممن خالف أمر اللّه . السادسة : تحقيق التوبة والانكسار ، والإكثار من الذكر والاستغفار . فذلك سبب المودة من الكريم الغفار . ولأجل هذه الخطبة سمى شعيب خطيب الأنبياء . واللّه تعالى أعلم .