ابن عجيبة

542

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر قصة لوط ، مع ما تقدمها من بشارة إبراهيم عليه السّلام ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 69 إلى 73 ] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ( 69 ) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ( 70 ) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ( 71 ) قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ( 72 ) قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ( 73 ) قلت : « سلاما » : منصوب على المصدر ، أي : سلمنا سلاما . ويجوز نصبه بقالوا ؛ لتضمنه معنى ذكروا . ( قال سلام ) : إما خبر ، أي : أمرنا سلام ، أو جواب سلام ، وإما مبتدأ ، أي : عليكم سلام . وكسر السين : لغة . وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامه ؛ فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به . ( فما لبث أن جاء ) ؛ . « ما » : نافية و « أن جاء » : فاعل « لبث » . ونكر وأنكر بمعنى واحد . والإيجاس : الإدراك أو الإضمار . و ( من وراء إسحاق يعقوب ) : من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام ، أي : ووهبنا لها يعقوب . ومن رفعه فمبتدأ ، أي : ويعقوب مولود من بعده . و ( شيخا ) : حال ، والعامل فيه : الإشارة ، أي : أشير إليه شيخا . و ( أهل البيت ) : نصب على المدح والاختصاص ، أو على النداء . يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ ، وهم الملائكة ، قيل : ثلاثة : جبريل وميكائيل وإسرافيل . وقيل : تسعة ، جاءوه بِالْبُشْرى ؛ بالولد . فلما دخلوا عليه قالُوا سَلاماً أي : سلمنا عليك سلاما ، أو ذكروا سلاما ، قالَ سَلامٌ أي : عليكم سلام ، فَما لَبِثَ أي : أبطأ ، أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ؛ مشوى بالرضف ، أي : بالحجر المحمى . وقيل : حنيذ بمعنى يقطر ودكه « 1 » . كقوله : بِعِجْلٍ سَمِينٍ « 2 » ، فامتنعوا من أكله ، فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ ؛ لا يمدون إليه أيديهم ، نَكِرَهُمْ أي : أنكر ذلك منهم ، وَأَوْجَسَ : أدرك ، أو أضمر مِنْهُمْ خِيفَةً أي : خوفا ، خاف أن يريدوا به مكروها ؛ لامتناعهم من طعامه ، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه ، وإلا خافوه . والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم ؛ لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره اللّه عليه فأمنوه ، وقالوا : لا تَخَفْ إِنَّا ملائكة أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ لنعذبهم ، وإنما لم نأكل طعامك ؛ لأنا لا نأكل الطعام . وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ من وراء ستر تسمع محاورتهم ، أو على رؤوسهم للخدمة ، فَضَحِكَتْ سرورا بزوال الخيفة ، أو بهلاك

--> ( 1 ) الودك : دسم اللحم . ( 2 ) من الآية 26 من سورة الذاريات .