ابن عجيبة

540

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أي : كنا نرجو أن ننتفع بك ؛ لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد ، فتكون لنا سيدا ، أو مستشارا في الأمور ، وأن توافقنا على ديننا ، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا منك ؛ أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا قبلنا لتصرفنا عن ديننا ، وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد ، والتبري من الأوثان ، مُرِيبٍ : موقع في الريبة ؛ مبالغة في الشك ، قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ؛ طريقة واضحة مِنْ رَبِّي وبصيرة نافذة منه ، وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً : نبوة ، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ ؛ من يمنعني من عذابه إِنْ عَصَيْتُهُ وأطعتكم في ترك التبليغ ، وموافقتكم في الدين الفاسد ، فَما تَزِيدُونَنِي باستتباعكم غَيْرَ تَخْسِيرٍ بترك ما منحنى اللّه به ، والتعرض لغضبه ، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير تخسير لكم ؛ لأنه يجركم إلى الخسران . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من وجهه الحق تعالى يدعو إلى اللّه فإنما يدعو إلى خصلتين : إفراد الحق بنعوت الألوهية ، والقيام بوظائف العبودية ؛ شكرا لنعمة الإيجاد ، وتوالى الإمداد . فقول صالح عليه السّلام : ( اعبدوا اللّه مالكم من إله غيره ) ، هذا إفراد الحق بالربوبية ، وقوله : ( هو أنشأكم من الأرض ) ، هذه نعمة الإيجاد . وقوله : ( واستعمركم فيها ) هي : نعمة الإمداد ، وقوله : ( فاستغفروه ثم توبوا إليه ) ، هو القيام بوظائف العبودية ؛ شكرا لتلك النعمتين . وفي قوله : ( إن ربى قريب مجيب ) : ترهيب وترغيب . وقوله تعالى : ( قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ) : يؤخذ من الآية : أن شعاع الخصوصية ، وآثارها ، تظهر على العبد قبل شروق أنوارها ، وهو جار في خصوص النبوة والولاية ، فلا تظهر على العبد في الغالب حتى يتقدمها آثار وأنوار ، من مجاهدة أو أنس ، أو اضطرار أو انكسار ، أو عرق طيب . واللّه تعالى أعلم . وكل من واجهه منهم تكذيب أو إنكار يقول : ( أرأيتم إن كنت على بينة من ربى . . . ) الآية . وباللّه التوفيق . ثم ذكر معجزة الناقة ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 64 إلى 68 ] وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ( 64 ) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( 65 ) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 67 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ( 68 )