ابن عجيبة

532

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

نزل يوم عاشوراء ، فصامه شكرا . وبقي ستة أشهر على الماء . وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ؛ هلاكا لهم . يقال : بعد ، إذا بعد بعدا بعيدا ، بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك . وخص بدعاء السوء . والآية - كما ترى - في غاية الفصاحة ؛ لفخامة لفظها وحسن نظمها ، والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال . وإيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل ، وأنه متعين في نفسه ، مستغن عن ذكره ، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره ؛ للعلم به ، فإن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار . قاله البيضاوي . فإن قلت : قد عم الغرق الدنيا كلها ، مع أن دعوة نوح عليه السّلام لم تكن عامة ، وقد قال تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 1 » ؟ فالجواب : أن الكفر قد كان عم الموجودين في ذلك الزمان ، مع تمكنهم من النظر والاستدلال على الصانع وتوحيده ، ومع قدرتهم على الإتيان إلى نوح في أمر الشرائع ، فقصروا في الجهتين . وأيضا : لم تكن الأرض كلها معمورة بالناس ، فكل من كان موجودا سمع بدعوة نوح فجحدها . واللّه تعالى أعلم . وانظر ابن عطية عند قوله : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا توالت على القلب الواردات الإلهية السماوية ، والأحوال النفسانية المزعجة ، خيف على العقل الاختطاف والاصطلام ، فقيل يا أرض النفس ابلعي ماءك واسكني ، ويا سماء الواردات أقلعى ، وغيض الماء ، أي : نقص هيجان الحال ، وقضى الأمر بالاعتدال ، واستوت سفينة الفكرة على جبل العقل ، فحاز الشرف والكمال ؛ لكونه برزخا بين بحرين ، يعطى الحقيقة حقها والشريعة حقها ، فيعطى كل ذي حق حقه ، ويوفى كل ذي قسط قسطه . وقيل : بعدا لمن تخلف عن هذا المقام ، وظلم نفسه بإلقائها في سجن الهوى وغيهب الظلام . واللّه تعالى أعلم . ولمّا غرق كنعان مع من غرق ، استفهم نوح عليه السّلام ربه عن الوعد الذي وعده بإنجاء أهله ، كما قال تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 )

--> ( 1 ) من الآية : 15 من سورة الإسراء .