ابن عجيبة

523

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : تكذيب الصادقين سنة ماضية ، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة ، وهم أتباع الرسل والأولياء ، وهم أيضا جل أهل الجنة ؛ لأن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أهل الجنّة كلّ ضعيف مستضعف » « 1 » وقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا سقّط الناس ؟ فقال لها الحق تعالى : « أنت رحمتي أرحم بك من أشاء » حسبما في الصحيح . ثم أجابهم بقوله : [ سورة هود ( 11 ) : آية 28 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) قلت : « أنلزمكموها » : يصح في الضمير الثاني الوصل والفصل ؛ لتقدم الأخص . يقول الحق جل جلاله : قالَ نوح لقومه : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ : أخبروني ، إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ؛ على طريقة واضحة من عند ربى ، أو حجة واضحة شاهدة بصحة دعواي ، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ النبوة ، فَعُمِّيَتْ ؛ خفيت عَلَيْكُمْ فلم تهتدوا إليها ، أَ نُلْزِمُكُمُوها ؛ أنكرهكم على الاهتداء بها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ لا تختارونها ولا تتأملون فيها . ولم يؤمر بالجهاد ، بل تركهم حتى نزل بهم العذاب . الإشارة : طريقة أهل التذكير - الذين هم على بينة من ربهم - : أنهم يذكرون الناس ، ولا يكرهون أحدا على الدخول في طريقهم ، إذا عميت عليهم . واللّه تعالى أعلم . ثم قال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 29 إلى 30 ] وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 30 ) يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن نوح عليه السّلام : وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ؛ على التبليغ المفهوم من السياق ، مالًا : جعلا أنتفع به ، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ؛ فإنه المأمول منه . ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه ، فقال لهم : وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيخاصمونى إن طردتهم ، أو : إنهم ملاقوه

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في ( الزهد ، باب من لا يؤبه له ) من حديث معاذ بن جبل .