ابن عجيبة

520

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والحاصل : أن البينة أمر باطني ، وهي : المعرفة ، إما بالبرهان ، أو بالعيان ، والشاهد الذي يتلو هو العلم الظاهر ، فيتفق ما أدركه العقل أو الذوق مع ما أفاده النقل ، فتتفق الحقيقة مع الشريعة . كلّ في محله ، الباطن منور بالحقائق ، والظاهر مؤيد بالشرائع . وهذا غاية المطلوب والمرغوب . رزقنا اللّه من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه . ثم ذكر وعيد من كذب بها فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 18 إلى 24 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ( 20 ) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 21 ) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 22 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) قلت : ( مثلا ) : تمييز . يقول الحق جل جلاله : وَمَنْ أَظْلَمُ أي : لا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ؛ بأن أسند إليه مالم يقله ، وكذب بما أنزله ، أو نسب للّه ما لا يليق بجلاله . أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ يوم القيامة ، بأن يحبسوا في الموقف ، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد ، وَيَقُولُ الْأَشْهادُ من الملائكة والنبيين ، أو كل من شهد الموقف : هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ ، لظلمهم بالكذب على اللّه ، ورد الناس عن طريق اللّه . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ؛ عن دينه ، وَيَبْغُونَها عِوَجاً ؛ يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب . أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر ، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها . وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ أي : والحال أنهم كافرون بالبعث . وتكرير الضمير ؛ لتأكيد كفرهم واختصاصهم به .