ابن عجيبة

515

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة ، وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شئ ؛ لأن الذوق : إدراك المطعم ، والمس مبدأ الوصول إليه . ه . إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على الضراء ؛ إيمانا بالله ، واستسلاما لقضائه ، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ شكرا لآلائه ، سابقها ولا حقها ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم ، وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أقله الجنة ، وغايته النظرة . والاستثناء من الإنسان ؛ لأن المراد به الجنس . ومن حمله على الكافر - لسبق ذكرهم - جعله منقطعا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للعبد أن يكون شاكرا للنعم ، صابرا عند النقم ، واقفا مع المنعم دون النعم . إن ذهبت من يده نعمة رجى رجوعها ، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها . والحاصل : أنه يكون عبد اللّه في جميع الحالات . حكى أن سيدنا موسى عليه السّلام قال : يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عنى . قال : إنك لا تطيق ذلك ، فخر موسى ساجدا متضرعا ، فقال : يا ابن عمران ؛ إن رضاى في رضائك بقضائي . ه . وقال ابن عباس - رضى اللّه عنه - أول شئ كتبه اللّه في اللوح المحفوظ : أنا اللّه لا إله إلا أنا ، محمد رسولي ، فمن استسلم لقضائى ، وصبر على بلائي ، وشكر نعمائي ، كتبته صديقا ، وبعثته مع الصديقين ، ومن لم يستسلم لقضائى ، ولم يصبر على بلائي ، ولم يشكر نعمائي ، فليتخذ ربا سوائي . ه . وروى عن ابن مسعود رضى اللّه عنه أنه قال : ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة : الرضا بالقضاء ، والصبر على الأذى ، والدعاء في الرخاء . ه . من جملة الأذى : التكذيب والإنكار ، كما أبان ذلك بقوله تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 12 إلى 14 ] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 12 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين ، مخافة ردهم واستهزائهم به . ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه . فالعصمة مانعة من ذلك . فالرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يترك شيئا من الوحي إلا بلغه ، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل . ولو قوبل بالإنكار .