ابن عجيبة

502

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ومن سبق له في العلم القديم الخذلان لا يخرج عن دائرة الأكوان ، فلا يؤمن بوجود أهل الشهود والعيان ، فما ينتظر مثل هذا إلا ما نزل بأمثاله ، من هجوم الحمام قبل خروجه من سجن الأجرام ، فإنه لا ينجو من سجن الأكوان إلا من صحب أهل العرفان ، الذين أفضوا إلى فضاء الشهود والعيان ، وقليل ما هم . ثم أمر نبيه بالتبرء من الشرك وأهله ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 104 إلى 107 ] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 104 ) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 105 ) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ( 106 ) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 107 ) قلت : ( وأن أقم ) : عطف على ( أن أكون ) وإن كان بصيغة الأمر ؛ لأنّ الغرض وصل « أن » بما يتضمن معنى المصدر ليدل معه عليه ، وصيغ الأفعال كلها كذلك ، سواء الخبر منها والطلب ، والمعنى : وأمرت بالإيمان والاستقامة . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد لأهل مكة أو لجميع الناس : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ؛ بأن شككتم في صحته حتى عبدتم غير اللّه ، فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ فهذا خلاصة ديني اعتقادا وعملا ، فاعرضوها على العقل السليم ، وانظروا فيها بعين الإنصاف ، لتعلموا صحتها ، وهو أنى لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه ، ولكن أعبد خالقكم ، الذي هو يوجدكم ويتوفاكم . وإنما خص التوفى بالذكر لأنه أليق بالتهديد ، انظر البيضاوي . وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بالله وحده ، الذي دل عليه العقل ونطق به الوحي . وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ؛ مائلا عن الأديان الفاسدة ، أي : أمرت بالاستقامة بذاتى كلها في الدين والتوغل فيه ، بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح ، أو : أن أقيم وجهي في الصلاة باستقبال القبلة . وقيل لي : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله في شئ ، وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ بنفسه ولا بدعوته ، فَإِنْ فَعَلْتَ ودعوته فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ، وهو تنفير وتحذير للغير من الميل اليه . ثم بيّن من يستحق العبادة والدعاء ، وهو اللّه تعالى فقال : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ أي : يصيبك بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ : لا رافع له إِلَّا هُوَ أي : اللّه ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ : لا دافع لِفَضْلِهِ الذي أرادك به .