ابن عجيبة

500

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والإكثار من الطاعة والخضوع والافتقار ، والتمسك بالذل والانكسار . قال تعالى في بعض الأخبار : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى » وبالله التوفيق . كما أشار إلى ذلك بقوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 99 إلى 100 ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ هداية الخلق كلهم لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً بحيث لا يتخلف عنه أحد ، لكن حكمته اقتضت وجود الخلاف ، فمن رام اتفاقهم على الإيمان فقد رام المحال ، ولذلك قال : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ بالقهر على ما لم يشأ اللّه منهم حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كلهم . قال البيضاوي : وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء ، وإيلاؤها حرف الاستفهام الإنكارى ، وتقديم الضمير على الفعل ، للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل ، فلا يمكنه تحصيله بالإكراه فضلا عن الحث والتحريض عليه ، إذ روى أنه - عليه الصلاة السلام - كان حريصا على إيمان قومه ، شديد الاهتمام به ، فنزلت ، ولذلك قرره بقوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ؛ بمشيئته وألطافه وتوفيقه ؛ فلا تجهد نفسك في هداها ، فإنه إلى اللّه تعالى . وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ : العذاب أو الخذلان فإنه سببه عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ : لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات ، أو لا يعقلون دلائل القرآن وأحكامه ؛ لما على قلوبهم من الطبع . ويؤيد الأول قوله قُلِ انْظُرُوا . . . إلخ . ه . الإشارة : في الآية تسلية لأهل التذكير حين يرون الناس لم ينفع فيهم تذكيرهم ، وفيها تأديب لمن حرص على هداية الناس كلهم ، أو يتمنى أن يكونوا كلهم خصوصا ، فإن هذا خلاف حكمته تعالى . قال تعالى : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ « 1 » فالداعون إلى اللّه لا يكونون حرصا على الناس أبدا ، بل يدعون إلى اللّه ، ويذكّرون بالله ، وينظرون ما يفعل اللّه اقتداء بنبي اللّه ، بعد أن علمه اللّه كيف يكون مع عباد اللّه . واللّه تعالى أعلم . ثم أمر باستعمال العقل في التفكر والاعتبار ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 101 إلى 103 ] قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 102 ) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ( 103 )

--> ( 1 ) من الآية 118 من سورة هود .