ابن عجيبة

496

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( فأتبعهم ) أي : تبعهم ، يقال : تبع وأتبع ، لغتان . يقول الحق جل جلاله : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي : جوزناهم في البحر يبسا ؛ حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم . روى أن بني إسرائيل حين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف ، وكان يعقوب عليه السّلام قد دخل مصر في نيف وسبعين من ذريته ، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور . فَأَتْبَعَهُمْ : فأدركهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، روى أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم ، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل . تبعهم بَغْياً وَعَدْواً : باغين وعادين عليهم . مستمرا على بغيه حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي : بأنه لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فآمن حين لا ينفع الإيمان بمعاينة الموت ، ومن قال بصحة إيمانه فغلط ؛ كالحاتمى « 1 » فإنه قال في الفصوص : إنه من الناجين ، وذلك من جملة هفواته . قال تعالى لفرعون : آلْآنَ أي : أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ مدة عمرك وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ : الضالين المضلين ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ أي : ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ونجعلك طافيا على وجه الماء ، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس ، فيتحققوا بغرق من معك ، حال كونك بِبَدَنِكَ عاريا عن الروح ، أو عريانا بلا لباس ، أو بدرعك ، وكانت له دروع من ذهب يعرف بها ، وكان مظاهرا بينها . لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً : لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين ، والمراد : بنو إسرائيل ؛ إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيّل إليهم أنه لا يهلك ، حتى كذبوا موسى عليه السّلام حين أخبرهم بغرقه ، إلى أن عاينوه منطرحا على ممرهم من الساحل ، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ، فيكون ذلك عبرة ونكالا للطغيان ، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور ، بعيد عن مظانّ الربوبية ، أو آية تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته ، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل دون غيره ؛ يفيد أنه مقصود لإزاحة الشك في أمره . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ؛ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها ، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع في قعر البحر من أعلام النبوة ؛ إذ لا يمكن أن يخبر بها إلّا علّام الغيوب الذي لا يخفى عليه شئ ، ولا يخلو منه مكان . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) أي : الشيخ محيي الدين بن عربى .