ابن عجيبة

493

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَقالَ مُوسى لقومه ، لمّا رأى خوفهم من فرعون : يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا أي : ثقوا به واعتمدوا عليه ، ولا تبالوا بغيره ، إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ مستسلمين لقضاء اللّه ، أو منقادين لأحكامه ، قائمين بطاعته بعد تحصيل الإيمان به ، وقال لهم ذلك مع علمه بإيمانهم وإسلامهم ؛ إنهاضا لهم وتحريضا على الصبر ، كما تقول : إن كنت رجلا فافعل كذا . فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لأنّا مؤمنون مخلصون ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً أي : موضع فتنة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي : لا تسلطهم علينا فيفتنونا ، وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي : من كيدهم ، أو من شؤم مشاهدتهم . وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولا لتجاب دعوته ؛ لأنه يتسبب في نجاح أمره ، ثم يدعو . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : التوكل هو ثمرة الإيمان ونتيجته ، فكلما قوى الإيمان واشتدت أركانه قوى التوكل وظهرت أسراره ، وكلما ضعف الإيمان ضعف التوكل ، فالتّوغل في الأسباب نتيجة ضعف الإيمان ، والتقلل منها نتيجة صحة التوكل والإيقان ، والتوكل : أن تكون بما في يد اللّه أوثق مما في يدك . قال تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 1 » والتوكل قد يوجد مع الأسباب ، ومع التجريد أنفع ، وقد تقدم الكلام عليه في آل عمران « 2 » . وبالله التوفيق . ثم أمر بني إسرائيل باتخاذ المساجد ، وجعلها في البيوت خوفا من فرعون ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 87 ] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 87 ) يقول الحق جل جلاله : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا أي : اتخذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً للصلاة والعبادة ، وقيل : أراد الإسكندرية ، وهي من مصر ، وَاجْعَلُوا أنتما وقومكما بُيُوتَكُمْ التي تسكنون فيها قِبْلَةً : مصلّى ومساجد . روى أن فرعون أخافهم ، وهدم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ، فأمروا بإخفائها وجعلها في بيوتهم ، وتكون متوجهة نحو القبلة - يعنى مكة - وكان موسى يصلى إليها . فإن قلت : لم خصّ موسى وهارون بالخطاب في قوله : أَنْ تَبَوَّءا ، ثم خوطب بها بنو إسرائيل في قوله : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ ؟ ، فالجواب : أن التبوأ واتخاذ المساجد مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور ، بخلاف جعل البيوت قبلة فمما ينبغي أن يفعله كل أحد .

--> ( 1 ) الآية 96 من سورة النحل . ( 2 ) عند إشارة قوله تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الآية 159 .