ابن عجيبة

49

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

حق ، ولا تتبع أهواء النفوس والخواطر ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل على قلبك من العلوم والأسرار ، فإن متابعة الهوى يعمى القلب عن مطالعة الأسرار ، إلا إن وافق السّنة . قيل لعمر بن عبد العزيز : ما الدّ الأشياء عندك ؟ قال : حق وافق هواي . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تابعا لما جئت به » ، وفي الحكم : « يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك ، إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك » . فمن تولى عن هذا المنهاج الواضح ، وجعل يتبع الهوى ويسلك طريق الرخص ، فليعلم أن اللّه أراد أن يعاقبه ببعض سوء أدبه ، حتى يخرج عن منهاج السالكين ، والعياذ بالله ، أو يؤدبه في الدنيا إن كان متوجها إليه . ثم حذّر من صحبة أهل الأهواء ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 51 إلى 53 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 ) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( 52 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ ( 53 ) قلت : ( يقول الذين آمنوا ) قرىء بغير واو ؛ استئنافا ، وكأنه جواب عن سؤال ، أي : ماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ فقال : يقول . . . إلخ ، وقرىء بالواو والرفع ؛ عطف جملة على جملة ، وقرىء بالواو والنصب ؛ عطف على ( فيصبحوا ) أو ( يأتي ) . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ تنتصرون بهم ، أو تعاشرونهم معاشرة الأحباب ، أو تتوددون إليهم ، وأما معاملتهم من غير مودة فلا بأس ، ثم علل النهى عن موالاتهم فقال : هم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي : لأنهم متفقون على خلافكم ، يوالى بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين ، وإجماعهم على مضادتكم ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي : من والاهم منكم فإنه من جملتهم . قال البيضاوي : وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم « المؤمن والمشرك لا تتراءى نارهما » « 1 » أو لأن الموالين لهم كانوا منافقين . ه .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في ( الجهاد ، باب النهى عن قتل من اعتصم بالسجود ) والترمذي في ( السير ، باب كراهة المقام بين أظهر المشركين ) من حديث جرير : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث سرية إلى خثعم ، فاعتصم ناس بالسجود . . الحديث ، وفيه : وقال : أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ، قالوا : ولم ؟ « لا تترأى نارهما » . ومعناه : لا ينبغي لمسلم أن يساكن الكفار حتى إذا أوقدوا نارا كان منهم بحيث يراها . أنظر معالم السنن للخطابي على هامش سنن أبي داود 3 / 105 .