ابن عجيبة

488

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وأما قرب العبد من ربه بطاعته فمعناه قرب محبة ورضا ، لا قرب مسافة أو نسب ؛ إذ أوصاف العبودية غير مجانسة لأوصاف الربوبية ، بل هي بعيدة منها مع شدة قربها ، ولذلك قال في الحكم : « إلهي ما أقربك منّى وما أبعدنى عنك . . » إلخ ، ، وقد تشرق على العبد أنوار الربوبية فتكسوه حتى يغيب عن حسه ورسمه فلا يرى إلا أنوار ربه ، فربما تغلبه الأنوار ، فيدّعى الاتحاد أو الحلول ، وهو معذور عند أهل الباطن لسكره ، وقد رفع التكليف عن السكران ، فإذا صحى وبقي على دعواه قتل شرعا . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر بعض قصص الأنبياء عليهم السلام ، تسلية لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 71 إلى 73 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ( 71 ) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 72 ) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) قلت : ( وشركاءكم ) : مفعول معه ، أو بفعل محذوف أي : اعزموا أمركم وأجمعوا شركاءكم ومن قرأ : « اجمعوا » بهمزة وصل ، فشركاءكم : معطوف ، و « غمة » : خفيّا ، وفي الحديث : « فإن غمّ عليكم فاقدروا له » . يقول الحق جل جلاله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ أي : خبره مع قومه ، قيل : اسمه عبد الغفار ، وسمى نوحا لكثرة نوحه من هيبة ربه ، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ أي : عظم وشقّ عَلَيْكُمْ مَقامِي أي : كونى بين أظهركم ، وإقامتي بينكم مدة مديدة أذكركم بالله ، أو قيامي عليكم لوعظكم ، أو نفسي ووجودي معكم ، كقولك : فعلت كذا لمكان فلان ، أي : له ، أي : لو صعب عليكم وجودي بينكم ، وَتَذْكِيرِي لكم بِآياتِ اللَّهِ أدعوكم بها إلى اللّه ، فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ : وثقت به ، فلا أبالي ببعدكم عنى وتخويفكم إياي ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ أي : اعزموا عليه ، وَشُرَكاءَكُمْ مع شركائكم ، أو وأمر شركائكم ، أو أجمعوا أمركم واتّفقوا عليه وأجمعوا شركاءكم . والمعنى : أنه أمرهم بالعزم والإجماع على قصده ، والسعي في إهلاكه ، على أي وجه يمكنهم ؛ لشدة ثقته بالله وعدم مبالاته بهم . ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ في قصد إهلاكى عَلَيْكُمْ غُمَّةً : مستورا خفيّا ، بل اجعلوه ظاهرا مكشوفا تتمكنون فيه ، لأن من يكتم أمرا ويخفيه لا يقدر أن يفعل ما يريد ، أو ثم لا يكن حالكم عليكم غما ، أي : لا يلحقكم غم إذا