ابن عجيبة
484
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فالمراقبة مفتاح المشاهدة ، والمشاهدة مفتاح المعرفة ، والمعرفة هي الولاية ، التي أشار إليها بقوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 62 إلى 64 ] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) قلت : « الذين آمنوا » : صفة للأولياء ، أو منصوب على المدح ، أو مرفوع به على تقدير : « هم » ، أو مبتدأ ، و « لهم البشرى » : خبر . يقول الحق جل جلاله : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ الذين يتولونه بالطاعة ، وهو يتولاهم بالكرامة لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوات مأمول . ثم فسرهم بقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو ولى - أعنى الولاية العامة - وسيأتي بقية الكلام في الإشارة إن شاء اللّه ، لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهو ما بشّر به المتقين في كتابه ، على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحفظ والعز والكفاية ، والنصر في الدنيا وما يثيبهم به في الآخرة ، أو ما يريهم من الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له . روى ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » ، أو محبة الناس للرجل الصالح ، أو ما يتحفهم به من المكاشفات ، أو التوفيق لأنواع الطاعات ، أو بشرى الملائكة عند النزع ، أو رؤية المقعد قبل خروج الروح ، وَفِي الْآخِرَةِ هي الجنة أو تلقّى الملائكة إياهم عند الحشر بالبشرى والكرامة . لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي : لا تغيير لأقواله ولا اختلاف لمواعيده ، واستدل ابن عمر بالآية على أن القرآن لا يقدر أحد أن يغيره ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الإشارة إلى كونهم مبشّرين في الدارين ، أو لانتفاء الخوف والحزن عنهم مع ما بشروا به ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الولاية على قسمين : ولاية عامة ، وولاية عرفية خاصة ، فالولاية العامة ، هي التي ذكرها الحق تعالى ، فكل من حقق الإيمان والتقوى ؛ فله من الولاية على قدر ما حصّل منها ، والولاية الخاصة خاصة بأهل الفناء والبقاء ، الجامعين بين الحقيقة والشريعة ، بين الجذب والسلوك ، مع الزهد التام والمحبة الكاملة ، وصحبة من
--> ( 1 ) عن عبادة بن الصامت قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قوله : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) قال : « هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 315 ) ، والترمذي في : ( الرؤيا ، باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ) وابن ماجة في ( الرؤيا ح 3898 ) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ( 2 / 340 ) والدارمي في : ( الرؤيا ) .