ابن عجيبة

478

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم : لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً ، فكيف أملك لكم ما تستعجلون من طلب العذاب ؟ إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ : لكن ما شاء اللّه من ذلك يكون ، أو : لا أملك إلا ما ملكنى ربى بمشيئته وقدرته ، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مضروب إلى هلاكهم ، إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ عنه ساعَةً ، وَلا هم يَسْتَقْدِمُونَ عنه ، فلا تستعجلوا ، فسيحين وقتكم وينجز وعدكم ، قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ الذي تستعجلون بَياتاً أي : وقت بيات واشتغال بالنوم ، أَوْ نَهاراً حين تشتغلون بطلب معاشكم ، ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ؟ أىّ شئ من العذاب يستعجلونه وكله مكروره لا يلائم الاستعجال ؟ وهو متعلق بأرأيتم ، لأنه في معنى أخبروني ، و « المجرمون » وضع موضع المضمر ؛ للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجىء العذاب ، لا أن يستعجلوه . قاله البيضاوي . أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ أي : أثم تؤمنون إذا وقع العذاب وعاينتموه ، حين لا ينفعكم إيمانكم ، آلْآنَ أي : فيقال لكم الآن آمنتم حين فات وقته ، وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ تكذيبا واستهزاء ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بعد هلاكهم : ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي : العذاب المؤلم الذي تخلدون فيه ، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي . الإشارة : لا يشترط في الولي أن يكاشف بالأمور المغيبة حتى يحترز من المكاره أو يجلب المنافع ، إذ لم يكن ذلك للنبي ، فكيف يكون للولي ؟ بل هو معرض للمقادير الجارية على الناس ، يجرى عليه ما يجرى عليهم ، نعم . . باطنه محفوظ من السخط أو القنط ، يتلقى كل ما يلقى إليه بالرضا والتسليم . فمن شرط ذلك فيه فهو محروم من بركة أولياء زمانه . واللّه تعالى أعلم . ثم استخبروا عن العذاب أو الوحي ، هل هو حق أم لا ؟ كما قال تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 53 إلى 54 ] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 53 ) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 54 ) قلت : ( أحق ) : مبتدأ ، والضمير فاعله سد مسد الخبر ، و ( إي ) : حرف جواب ، بمعنى نعم ، وهو من لوازم القسم ، ولذلك يوصل بواوه ، فيقال : إي واللّه ، ولا يقال « إي » وحده .