ابن عجيبة

473

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لما سلف قبله من الكتب الإلهية ، المشهود على صدقها ؛ لأنه مطابق لها ، فلا يكون كذبا ، كيف وهو لكونه معجزا عيار عليها ، شاهد على صحتها ؟ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ أي : وأنزله تفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع ، التي تضمنها الكتاب ، لا رَيْبَ فِيهِ : لا ينبغي أن يرتاب فيه ؛ لما احتفّت به من شواهد الحق ، وارتياب الكفار فيه كلا ريب . كائنا مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ، أو نزل منه . أَمْ : بل يَقُولُونَ افْتَراهُ محمد من عند نفسه ؟ قُلْ فَأْتُوا أنتم بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البلاغة وحسن النظم ، وجودة المعنى ، فإنكم مثلي في العربية والفصاحة ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ : من قدرتم عليه من الجن والإنس ، يعينكم على ذلك ، مِنْ دُونِ اللَّهِ فإنه وحده قادر على ذلك ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه مفترى . بَلْ كَذَّبُوا أي : سارعوا إلى التكذيب بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وهو القرآن ، بحيث لم يستمعوه ، ولم يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه ، حتى يعلموا أحق هو أم لا ، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علما ، من ذكر البعث والجزاء ، وسائر ما يخالف دينهم ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي : ولم يقفوا بعد على تأويله ، ولم تبلغ أذهانهم معانيه ، أو لم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب ، حتى يتبين لهم أنه صدق أو كذب ، والمعنى : أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى ، ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ، ويتصفحوا معناه . ومعنى التوقع في لَمَّا : أنه قد ظهر بالآخرة إعجازه ؛ لمّا كرر عليهم التحدّى ؛ فزادوا أذهانهم في معارضته ؛ فتضاءلت دونها ، أو لمّا شاهدوا وقوع ما أخبر به طبق ما أخبر مرارا فلم يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا . قاله البيضاوي . قال ابن جزى : لمّا يأتهم ما فيه من الوعيد لهم ، أي : وسيأتيهم يوم القيامة أو قبله . كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أنبياءهم ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ، فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم . وَمِنْهُمْ من المكذبين مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي : يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند ، أو من يؤمن به ويتوب عن كفره ، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره ، أولا يؤمن فيما يستقبل فيموت على كفره ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ : بالمعاندين أو المصرّين . الإشارة : إذا تطهرت القلوب من الأغيار ، وتصفّت من الأكدار ، أوحى إليها بدقائق العلوم والأسرار ، وما كان لتلك العلوم أن تفترى من دون اللّه ؛ ولكن تكون تصديقا لما قبلها من علوم القوم وأسرارها ، التي يهبها اللّه لأوليائه ، وفيها تفصيل طريق السير ، وما أوجبه اللّه على المريدين من الآداب ، وشروط المعاملة ، فمن طعن في ذلك فليأت بشئ من ذلك من عند نفسه ، ويستعن على ذلك بأبناء جنسه ، بل كذّب بما لم يحط به علمه ، ولم يبلغه عقله