ابن عجيبة

469

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم ، دون من تعبدونه من الأوثان . فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أي : ليس بعد الحق إلا الضلال ، فمن تخطى الحق - الذي هو عبادة اللّه - وقع في الضلال . قال ابن عطية : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة - التي هي توحيد اللّه تعالى - وكذلك هو الأمر في نظائرها ، وهي مسائل الأصول التي الحقّ فيها في طرف واحد ، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف هي ، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال تعالى فيها : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً « 1 » . ه . فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن الحق إلى الضلال . كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي : كما حق الحق في الاعتقادات ؛ كَذلِكَ حَقَّتْ أي : وجبت وثبتت - كَلِمَةُ رَبِّكَ في اللوح المحفوظ أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، وذلك في قوم مخصوصين . قال البيضاوي : أي : كما حقت الربوبية لله ، أو أن الحق بعده الضلال ، أو أنهم مصروفون عن الحق ، كذلك حقت كلمة اللّه وحكمه عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا : تمردوا في كفرهم ، وخرجوا عن حد الإصلاح أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، وهو بدل من الكلمة ، أو تعليل لها ، والمراد بها العدة بالعذاب . وقرأ نافع وابن عامر : « كلمات » بالجمع هنا ، وفي آخر السورة ، وفي غافر « 2 » . ه . الإشارة : قل من يرزقكم من سماء الأرواح علوم الأسرار والحقائق ، ومن أرض النفوس علوم الشرائع والطرائق ؟ أمّن يملك السمع والأبصار فيصرفهما إلى سماع الوعظ والتذكار ، ونظر التفكر والاعتبار ؛ ليلتحق صاحبهما بالمقربين الأبرار ؟ وقدّم السمع لأنه أنفع لإيصال النفع إلى القلب من البصر . أم من يخرج الحي من الميت ، فيخرج العارف من الجاهل ، والذاكر من الغافل ، أو يخرج القلب الحي من الميت ؛ بحيث يحييه بالمعرفة بعد الجهل ؟ ومن يدبر الأمر لخواص عباده ؟ أي : تدبيرا خاصا ، بحيث يقوم لهم بتدبير شؤونهم ، حيث لم يدبروا معه . فمن لم يدبر دبر له ، فالفاعل لهذه الأمور هو الحق المنفرد بالوجود ، فكل ما سواه باطل ، كما قال القائل : ألا كلّ شئ ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم لا محالة زائل قال صلّى اللّه عليه وسلّم « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كلّ شئ . . . » إلخ « 3 » . فكل من صرف عن شهود الحق إلى نظر السّوى فهو في ضلال . قال تعالى فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ، لكن من حقت عليه

--> ( 1 ) الآية 48 من سورة المائدة . ( 2 ) في قوله تعالى : وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ الآية / 6 . ( 3 ) راجع إشارة الآية 150 من سورة البقرة .