ابن عجيبة
467
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قيل لبعض الصالحين : ما بال المجتهدين من أحسن الناس خلقا ؟ قال : لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره . ه نعم ، إن صحب المعصية توبة وانكسار ، وصحب الطاعة عز واستكبار ، انقلبت حقيقتهما ، فقد تقرب المعصية وتبعد الطاعة . وفي الحكم : « معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبار ، وقال أيضا : « وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول » . ثم ذكر موطن وعد المحسنين ووعيد المسيئين ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ( 28 ) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ( 29 ) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 ) قلت : ( مكانكم ) : مفعول ، أي : الزموا مكانكم ، و ( أنتم ) تأكيد للضمير المنتقل إليه ، و ( شركاؤكم ) عطف عليه . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يعنى فريق الحسنى ، وفريق النار ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : الزموا مَكانَكُمْ من الخزي والهوان ، حتى تنظروا ما يفعل بكم ، أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ معكم ، تمثل حينئذ معهم ، فَزَيَّلْنا : فرّقنا بَيْنَهُمْ وقطعنا الوصل التي كانت بينهم ، وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ، ينطقها اللّه تعالى تكذيبا لهم فتقول : ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ، وإنما عبدتم في الحقيقة أهواءكم ؛ لأنها الأمارة لكم بالإشراك . وقيل المراد بالشركاء : الملائكة والمسيح . فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ، فإنه العالم بحقيقة الحال ، إِنْ كُنَّا أي : إنه الأمر والشأن كنا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ، لم نأمركم بها ولم نرضها . قال ابن عطية : وظاهر هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى ، بدليل القول لهم : مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ . ودون فرعون ، ومن عبد من الجن ، بدليل قوله : إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم . ه . هُنالِكَ تَبْلُوا : في ذلك المقام تبلوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ أي : تختبر ما قدمت من الأعمال خيرا أو شرا ؛ فتعاين نفعه وضرره ، وقرأ الأخوان : « تتلوا » من التلاوة ، أي : تقرأه في صحائف أعمالها ، أو من التلو ، أي : تتبع عملها فتقودها إلى الجنة أو إلى النار . والمعنى : تفعل بها فعل المختبر لحالها المعرّف لسعادتها وشقاوتها ،