ابن عجيبة
456
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإجابة فاصبر ؛ فقد ضمن الإجابة فيما يريد ، لا فيما تريد ، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد . والله تعالى أعلم . ثم هدد من أساء الأدب ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ يا أهل مكة ، لَمَّا ظَلَمُوا بالكفر وتكذيب الرسل ، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ : بالمعجزات الواضحات ، الدالة على صدقهم ، وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أي : ما استقام لهم أن يؤمنوا ، لما سبق لهم من الشقاء ولفساد استعدادهم ، أو ما كانوا ليؤمنوا بعد أن هلكوا لفوات محله ، كَذلِكَ أي : مثل ذلك الجزاء - وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم الرسل وإصرارهم عليه ، بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم - نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أي : نجزى كل مجرم ، أو نجزيهم ، ووضع المظهر موضع المضمر ؛ للدلالة على كمال جرمهم ، وأنهم أعلام فيه . قاله البيضاوي . ثُمَّ جَعَلْناكُمْ يا أمة محمد خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد إهلاكهم ، فقد استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها ، استخلاف من يختبر لِنَنْظُرَ أي : لنظهر ما سبق به العلم ، فيتبين في الوجود ، كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، أخيرا أم شرا ؟ فنعاملكم على مقتضى أعمالكم . وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه يقول : « إنما جعلنا خلفا لينظر كيف عملنا ، فأروا اللّه حسن أعمالكم في السر والعلانية ، وكان أيضا يقول : ( قد استخلفت يا ابن الخطاب ، فانظر كيف تعمل ) . الإشارة : ما هلك من هلك إلا لإخلاله بالشرائع أو بالحقائق ، فالشرائع ، صيانة للأشباح ، والحقائق صيانة للأرواح ، فمن قام بالشرائع كما ينبغي صان نفسه من الآفات الدنيوية والأخروية ، ومن قام بالحقائق على ما ينبغي ، صان روحه من الجهل بالله في هذه الدار ، وفي تلك الدار ، ومن قام بهما معا صان جسمه وروحه ، وكان من المقربين ، ومن قام بالشرائع دون الحقائق صان جسمه وترك روحه معذبة في هذه الدار بالخواطر والوساوس والأوهام ، وفي تلك الدار بالبعد والمقام مع العوام . ومن قام بالحقائق دون الشرائع فإن كان دعوى عذب جسمه وروحه لزندقته ، وإن كان حقا عذب جسمه هنا بالقتل ، كما فعل بالحلاج ، والتحق بالمقربين في تلك الدار .