ابن عجيبة
453
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إن الذين لا يرجون الوصول إلينا لقصر همتهم ، ورضوا بالحياة الدنيا وشهواتها ، واطمأنوا بها ولم يرحلوا عنها ، إذ لا يتحقق سير السائرين إلا بمجاهدة تركها والرحيل بالقلب عنها ، والذين هم عن آياتنا غافلون ؛ لانهماكهم في الهوى والحظوظ ، أولئك مأواهم نار القطيعة وغم الحجاب ، بما كانوا يكسبون من الاشتغال بالحظوظ والشهوات . وبالله التوفيق . ثم ذكر أضدادهم ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 9 إلى 10 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 9 ) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 10 ) قلت : ( تجرى ) : جملة استئنافية ، أو خبر ثان لإنّ ، أو حال من الضمير المنصوب في يَهْدِيهِمْ . و ( دعواهم ) : مبتدأ ، و ( سبحانك ) : مقول للخبر - أي : قولهم سبحانك . والتحية مأخوذة من تمنى الحياة والدعاء بها ، يقال : حياه تحية ، ويقال للوجه : محيا لوقوع التحية عند رؤيته ، و ( آخر ) : مبتدأ ، و ( أن الحمد لله ) : خبر ، وأن مخففة . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ أي : يسددهم بِإِيمانِهِمْ ؛ بسبب إيمانهم إلى الاستقامة والنظر ، أو إلى سلوك سبيل يؤدى إلى الجنة ، أو إلى إدراك الحقائق العرفانية ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - : « من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم » ، أو لما يشتهونه في الجنة ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ الأربعة ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، دَعْواهُمْ فِيها أي : دعاؤهم فيها : سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أي : اللهم إنا نسبحك تسبيحا . وروى : أن هذه الكلمة هي ثمر أهل الجنة ، فإذا اشتهى أحدهم شيئا قال : سبحانك اللهم ، فينزل بين يديه . رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة . وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي : ما يحيى به بعضهم بعضا ، أو تحية الملائكة إياهم ، أو تسليم اللّه تعالى عليهم فيها سلام ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : وخاتمة دعائهم في كل موطن حمده تعالى وشكره . والمعنى : أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمته وكبرياءه مجّدوه ونعتوه بنعوت الجلال ، وقدّسوه عند مشاهدته عن كل تماثيل وخيال ، فحيّاهم بسلام من عنده ، وعندما منحهم سلامه وأحلّ عليهم رضوانه ، وأدام لهم كرامته وجواره ، وأراهم وجهه ، حمدوه بما حمد به نفسه ، فكانت بدايتهم بالتنزيه والتعظيم ، وخاتمة دعائهم في كل موطن حمده وشكره على ما مكنهم فيه ، من رؤية وجهه الكريم ، ودوام النعيم المقيم ، وسمى دعاء لأنه يستدعى المزيد من فضله . قاله المحشى .