ابن عجيبة
450
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقوله : بِالْقِسْطِ أي : بالعدل ؛ بأن يعدل في جزائهم ، فلا يظلم مثقال ذرة ، أو بعدلهم وقيامهم على العمل في أمورهم ، أو بإيمانهم ؛ لأنه العدل القويم ، كما أن الشرك ظلم عظيم . وهو الأوجه لمقابلة قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بسبب كفرهم وشركهم - الذي هو الظلم العظيم - لكنه غيّر النظم للمبالغة في استحقاقهم العذاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة ، وأما العقاب فإنما هو واقع بالعرض ، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ، ولذلك لم يعينه ، وأما عقاب الكفرة فإنه إنما ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم . والآية كالدليل لقوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ، فإنه لمّا كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة اللّه المكلفين على أعمالهم ، كان مرجع الجميع إليه لا محالة ، ويؤيده قراءة من قرأ : « أنه يبدأ » بالفتح ، أي : لأنه ، ويجوز أن يكون منصوبا بما نصب « وعد اللّه » . قاله البيضاوي . الإشارة : تقدم بعض إشارة هذه الآية في الأعراف ، وقال الورتجبي هنا : جعل العرش مرآت تجلى قدسه ومأوى أرواح أحبابه لقوله : ثُمَّ اسْتَوى . . . الآية ، ثم قال : ثم دعاهم إلى عبادته بعد معرفته بقوله : فَاعْبُدُوهُ . وقال القشيري : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ تعريف ، وقوله : فَاعْبُدُوهُ تكليف ، فحصول التعريف بتحقيقه ، والوصول إلى ما ورد به التكليف بتوفيقه . ه . وقال في قوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً : الرجوع يقتضى ابتداء ، والأرواح قبل حصولها في الأشباح كان لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة ، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند محبّيه وذويه ، وأنشدوا : أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا * أنا ذاك لا أنساك ما هبّت الصّبا . ه . وفي الإحياء : كل من نسي اللّه أنساه - لا محالة - نفسه ، ونزل إلى رتبة البهائم ، وترك الترقي إلى أفق الملأ الأعلى ، وخان في الأمانة التي أودعها له تعالى ، وأنعم بها عليه ، وكان كافرا لنعمته ، ومتعرضا لنقمته ؛ فإن البهيمة تتخلص بالموت ، وأما هذا فعنده أمانة سترجع - لا محالة - إلى مودعها ، فإليه مرجع الأمانة ومصيرها ، وتلك الأمانة كالشمس الزاهرة ، وإنما هبطت إلى هذا القالب الفاني وغربت فيه ، وستطلع هذه الشمس عند خراب هذا القالب من مغربها ، وتعود إلى بارئها وخالقها ، إما مظلمة منكسة ، وإما زاهرة مشرقة ، والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن حضرة الربوبية ، والمظلمة أيضا راجعة إلى الحضرة ؛ إذ المرجع ومصير الكل إليه ، إلّا أنها ناكسة رؤوسها عن جهة أعلى عليين ، إلى جهة أسفل سافلين ، ولذلك قال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ « 1 » فبيّن أنهم عند ربهم منكسون منحوسون ، قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم ، وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل ، وذلك حكم اللّه تعالى فيمن حرمه توفيقه ، ولم يهده طريقه ، فنعوذ بالله من الضلال والنزول في منازل الجهال . ه .
--> ( 1 ) من الآية 12 من سورة السجدة .