ابن عجيبة

45

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وفيه دليل على أن الحدود مكفرة لا زواجر ، وزعم ابن العربي : أن المقتول يطالب يوم القيامة ، ولو قتل في الدنيا قصاصا ؛ لأنه لم يتحصل للمقتول من قتل قاتله شئ ، وأن القصاص إنما هو ردع ، وأجيب بمنع أنه لم يتحصل له شئ ، بل حصلت له الشهادة وتكفير لذنوبه ، كما في الحديث : « السيف محاء للخطايا » « 1 » . ولو كان القصاص للردع خاصة لم يشرع العفو ، قاله ابن حجر ، وفي حديث البخاري : « من أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا ، فهو كفارة له ، وإن ستره اللّه فهو في المشيئة » . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القصاص وغيره فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ؛ المتجاوزون حدود اللّه ، وما كتب اللّه على بني إسرائيل هو أيضا مكتوب علينا ، لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، ولا ناسخ هنا ، بل قررته السنة والإجماع . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : القصاص مشروع وهو من حقوق النفس ؛ لأنها تطلبه تشفيا وغيظا ، والعفو مطلوب ومرغب فيه ، وهو من حقوق اللّه ، هو طالبه منك ، وأين ما تطلبه لنفسك مما هو طالبه منك ؟ ومن شأن الصوفية الأخذ بالعزائم ، واتباع أحسن المذاهب ، قال تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ « 2 » ، ومن شأنهم أيضا : الغيبة عن حظوظ النفس ، ولذلك قالوا : ( الصوفي دمه هدر ، وماله مباح ) ، وقالوا أيضا : ( الصوفي كالأرض ، يطرح عليها كل قبيح ، وهي تنبت كلّ مليح ) ، - ومن أوكد الأمور عندهم عدم الانتصار لأنفسهم . وبالله التوفيق . ولما فرغ من الكلام مع اليهود شرع يتكلم مع النصارى ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 47 ) قلت : ( قفينا ) : اتبعنا ، مشتق من القفا ؛ كأن مجىء عيسى كان في قفا مجىء النبيين وخلفهم ، وحذف المفعول الأول ، أي : أتبعناهم ، و بِعِيسَى مفعول ثان ، وجملة : ( فيه هدى ونور ) : حال من « الإنجيل » ، و ( مصدقا ) : عطف عليه . يقول الحق جل جلاله : وأتبعنا النبيين المتقدمين وجئنا على إثرهم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي : ما تقدم أمامه مِنَ التَّوْراةِ وتصديقه للتوراة ؛ إما لكونه مذكورا فيها ثم ظهر ، أو بموافقة ما جاء به من التوحيد والأحكام لما فيها ، أو لكونه صدّق بها وعمل بما فيها .

--> ( 1 ) جزء من حديث أخرجه أحمد في المسند 4 / 185 . من حديث عتبة بن عبد السلمى . ( 2 ) من الآية : 18 من سورة الزمر .