ابن عجيبة
447
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
سورة يونس مكية . وهي مائة وتسع آيات . ومناسبتها لما قبلها : قوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ « 1 » مع قوله : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فقد تعجبوا منه مع كونهم يعرفون أمانته وصدقه . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ( 1 ) أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ( 2 ) قلت : ( عجبا ) خبر كان ، واسمها : ( أن أوحينا ) ، ومن قرأ بالرفع فالأمر بالعكس ، أو كان تامة ، واللام متعلقة بعجبا ، وهو مصدر للدلالة على أنهم جعلوه أعجوبة لهم ، يتوجهون نحوه بإنكارهم واستهزائهم . قال في المغني : المصدر الذي ليس في تقدير حرف الموصول وصلته لا يمنع التقديم عليه ، على أن السعد قال في المطوّل : إن معمول المصدر إذا كان ظرفا أو شبهه ، الأظهر أنه جائز التقديم ، قال تعالى : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ « 2 » ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ « 3 » ومثل هذا كثير في الكلام ، وليس كل ما أول بشئ حكمه حكم ما أول به ، مع أن الظرف مما يكيفه رائحة الفعل ؛ لأن له شأنا ليس لغيره ؛ لتنزله من الشيء منزلة نفسه ؛ لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه ، ولهذا اتسع في الظروف ما لم يتسع في غيرها . ه . يقول الحق جل جلاله : أيها الرسول المجتبى المختار تِلْكَ الآيات التي تنزل عليك هي آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ، الذي اشتمل على الحكم الباهرة والعبر الظاهرة ، أو المحكم الذي لم ينسخ منه شئ بكتاب آخر بعده ، أو كلام حكيم . أَ كانَ لِلنَّاسِ أي : كفار قريش وغيرهم عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ولم يكن من عظمائهم ؟ والاستفهام للإنكار ، والرد على من استبعد النبوة ، أو تعجب من أن يبعث اللّه رجلا من وسط الناس .
--> ( 1 ) الآية 128 من سورة التوبة . ( 2 ) من الآية 102 من سورة الصافات . ( 3 ) من الآية 2 من سورة النور .