ابن عجيبة
438
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
عنهم بالكلية ، وهو مثل لشدة الحيرة . وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ؛ من فرط الوحشة والغم ، وَظَنُّوا أي : علموا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ أي : من سخطه إِلَّا إِلَيْهِ أي : إلا إلى استغفاره والرجوع إليه ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ؛ بالتوفيق بالتوبة ، لِيَتُوبُوا بإظهارها والدوام عليها ، وليعدوا من التوابين ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ لمن تاب ، ولو عادوا في اليوم سبعين مرة ، الرَّحِيمُ ؛ متفضل عليهم بالنعم التي لا تحصى . الإشارة : قال الورتجبي : التوبة توبتان : توبة العبد ، وتوبة اللّه ، توبة العبد : الرجوع من الزلات إلى الطاعات ، وتوبة اللّه : رجوعه إلى العبد بنعت الوصال ، وفتح باب المآب ، وكشف النقاب عن الاحتجاب ، وطلب العتاب . إذا مرضنا أتيناكم نعودكم * وتذنبون فنأتيكم ونعتذر . انظر لطف اللّه بنبيه وأصحابه ، كيف تاب لأجلهم مكان توبتهم ، رجع إليه قبل رجوعهم إليه ، ليسهل عليهم طريق الرجوع إليه ، فرجوعه إلى نبيه بكشف المشاهدة ، ورجوعه إليهم بكشف القربة ، فتوبته للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم من غيبته عن المشاهدة ؛ باشتغاله بأداء الرسالة ، وتوبة القوم من غيبتهم عن ملاحظة الحضرة ، فلما ذاقوا طعم الجنايات ، واحتجبوا عن المشاهدات ؛ أدركهم فيض الوصال ، وانكشف لهم أنوار الجمال ، وهكذا سنة اللّه في الأنبياء والأولياء ، إذا ذابوا في مقام الامتحان ، وبقوا في الحجاب عن مشاهدة الرحمن ، تمطر عليهم وبل سحاب الكرم ، ويلمع لأبصار أسرارهم نور شرف القدم ؛ فيؤنسهم بعد إياسهم ، ويوصلهم بعد قنوطهم . قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا « 1 » ، وقال تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ . . . الآية « 2 » . ثم قال عن بعضهم : توبة الأنبياء في مشاهدة الخلق في وقت الإبلاغ ؛ إذ الأنبياء لا يغيبون عن الحضرة ، بل لا يحضرون في مواضع الغيبة ؛ لأنهم في عين الجمع أبدا . ه . قال المحشي : وحاصله : توبة اللّه المذكورة وهبيّة ، وهي في كل أحد على حسب ما يليق بمقامه ، وإنما يليق بمقام الرسل ترقيته عن مقام إلى أعلى ، أو من شعور بخلق ؛ لأجل الإبلاغ ، إلى الغيبة عن ذلك ، وكذلك أبدا كأهل الجنة . ه . ثم حضّ على الصدق ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 119 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ؛ بالمحافظة على ما أمركم به ، والانكفاف عما نهاكم عنه ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم وعهودهم .
--> ( 1 ) الآية 28 من سورة الشورى . ( 2 ) الآية 110 من سورة يوسف .