ابن عجيبة

435

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ . والموعدة التي وعدها إياه قوله : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » . أي : لأطلبن المغفرة لك بالتوفيق للإيمان ، فإنه يجب ما قبله . والمعنى : لا حجة لكم في استغفار إبراهيم لأبيه ، فإن ذلك لم يكن إلا لوعد تقدم بقوله : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ . . إلخ . فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ؛ بأن مات على الكفر ، أو أوحى إليه بأنه لن يؤمن ، تَبَرَّأَ مِنْهُ ؛ بأن قطع استغفاره له ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ أي : لكثير التأوه ، وهو كناية عن فرط ترحمه ، أو كثير الدعاء ، أو مؤمن ، أو فقيه ، أو كثير الذكر لله ، أو كثير التأوه من خوف اللّه ، حَلِيمٌ ؛ صبور على الأذى ، والجملة : لبيان ما حمله على الاستغفار . الإشارة : الشفاعة لا تكون فيمن تحقق غضب اللّه عليه ، فإن ذلك من سوء الأدب ، كالدعاء بالمحال ، وأما من لم يتحقق غضبه عليه فالشفاعة فيه مرغب فيها . قال عليه الصلاة والسلام : « اشفعوا تؤجروا » « 2 » ، والاستغفار شفاعة . وقد ورد في الخبر : « من استغفر للمؤمنين والمؤمنات خمسا وعشرين مرّة كتب من الأبدال » . والشفقة مطلوبة ، ما لم يظهر مراد اللّه من خلقه ، فإن برز من عنصر القدرة شئ من القهريات ، فالتسليم لمراده تعالى أحسن ، فالله أرحم بعباده منك أيها الشفيق ، وسيأتي عند قوله تعالى : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ « 3 » ، وبالله التوفيق . ثم عذر نبيه في استغفاره لعمه قبل النهى ، أو من استغفر من المسلمين لأسلافهم المشركين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 115 إلى 116 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 116 ) يقول الحق جل جلاله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ؛ أي : يسميهم ضلالا ، ويؤاخذهم مؤاخذتهم ، بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ للإسلام ، حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي : حتى يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه ، فإن خالفوا بعد

--> ( 1 ) من الآية 4 من سورة الممتحنة . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الأدب ، باب : تعاون المؤمنين ) ومسلم في ( البر والصلة ، باب : استحباب الشفاعة ) من حديث أبي موسى الأشعري ، وبقية الحديث : ( ويقضى اللّه على لسان نبيه ما شاء ) . ( 3 ) الآية 76 من سورة هود .