ابن عجيبة

433

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

للإيذان بأن التعداد قد تم بالسابع ، من حيث إن السبعة هو العدد التام ، والثامن ابتداء لعدد آخر معطوف عليه ، ولذلك سمى واو الثمانية . ه . بالمعنى . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الموصوفين بهذه الفضائل ، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم ؛ للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك ، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك ، وحذف المبشر به ؛ للتعظيم ، كأنه قيل : وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام . قاله البيضاوي . الإشارة : قد جمعت هذه الآية معارج الترقي من البداية إلى النهاية ، فأول المقامات : التوبة ، فإذا تابت النفس ورجعت عن هواها قصدت السير إلى حضرة مولاها ، فاشتغلت بالعبادة الظاهرة ، التي هي عمل الشريعة ، فإذا ظهر عليها أمارات التوفيق ، ولاحت لها أنوار التحقيق ، حمدت اللّه وشكرته ؛ تقييدا لتلك النعمة ، ثم تسيح فكرتها في ميادين الغيوب من الملكوت إلى الجبروت ، ثم ترد إلى مراسم الشريعة ، إذ منتهى الكمال : التزام الشرائع ، فتركع وتسجد البشرية ، أدبا في عالم الأشباح ، ويركع القلب ويسجد في مسجد الحضرة في عالم الأرواح ، فحينئذ تصلح للوعظ والتذكير ، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر الظاهرين ؛ لأهل التشريع ، والباطنين ؛ لأهل التحقيق ، فالأول يسمى وعظا وتذكيرا ، والثاني يسمى تربية وترقية ، ولا يقبل ذلك إلا ممن وقف مع الحدود ، ووفى بالعهود ، فيبشر حينئذ بالسعادة العظمى والمقام الأسنى . قال القشيري : قوله تعالى : السَّائِحُونَ أي : الصائمون ، ولكن عن شهود غير اللّه ، الممتنعون عن خدمة غير اللّه ، المكتفون من اللّه بالله . ويقال : السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار ؛ طلبا للاستبصار ، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها ؛ بالتفكّر في جوانبها ومناكبها ، والاستدلال بتغيّرها على منشئها ، والتحقق بحكم خالقها بما يرون من الآيات التي فيها ، ويسيحون بأسرارهم في الملكوت ، فيجدون روح الوصال ، ويعيشون بنسيم الأنس ؛ بالتحقيق بشهود الحق . انتهى . وانظر الورتجبي ؛ فقد جعل وصف الإيمان يحمل على التوبة ، ثم التوبة الصادقة تستدعى العبادات والمجاهدات المؤدية للعبودية ، فإذا تمت له نعمة العبودية اقتضت حمد اللّه تعالى ، فيحمده تعالى معترفا بعجزه عن القيام بحمده ؛ كما في حديث : « أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » ، ثم الحمد والذكر يقتضى حبس النفس عن مألوفاتها حين عاين حمى هلال جماله في سماء الإيقان . ألا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام : « صوموا لرؤيته » ،

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الصلاة ، باب : ما يقال في الركوع والسجود ) من حديث السيدة عائشة - رضى اللّه عنها .