ابن عجيبة
43
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( للذين هادوا ) : متعلق بيحكم ، أو بأنزلنا ، أو بهدى ونور ، و ( الربانيون ) : عطف على ( النبيون ) ، وهم العباد والزهاد منهم ، والأحبار : علماؤهم ، جمع حبر - بكسر الحاء وفتحها ، وهو أشهر استعمالا ؛ للفرق بينه وبين المداد ، و ( بما استحفظوا ) : سببية متعلق بيحكم ، أو بدل من ( بها ) والعائد إلى « ما » محذوف ، أي : استحفظوه . يقول الحق جل جلاله : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً أي : ما يهدى إلى إصلاح الظواهر من النواهي والأوامر ، و نُورٌ تستنير به السرائر ، وتشرق به القلوب والضمائر ، من الاعتقادات الصحيحة والعقائد الراجحة ، والعلوم الدينية والأسرار الربانية . يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الذين أتوا بعد موسى - عليه السّلام - إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم الَّذِينَ أَسْلَمُوا أي : انقادوا بكليتهم إلى ربهم ، ولم تبق بقية لغير محبوبهم ، وفيه تنويه بشأن الإسلام وأهله ، وتعريض باليهود ؛ فإنهم بمعزل عن دين الأنبياء واقتفاء هديهم ، حيث لم يتصفوا به ، يحكم بها لِلَّذِينَ هادُوا وعليهم ، وهم اليهود ، وَ يحكم بها أيضا الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ أي : زهادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم ، بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ أي : بسبب أمر اللّه تعالى لهم أن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف . وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ أي : رقباء ، فلا يتركون من يغيرها أو يحرفها ، ولما طال العهد عليهم حرفوا وغيروا ، بخلاف كتابنا ، حيث تولى حفظه الحق ربنا ، فلا يزال محفوظا لفظا ومعنى إلى قيام الساعة ، قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » . فلله الحمد . ثم خاطب الحكام ، فقال : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ أي : فلا تداهنوا في حكوماتكم خشية ظالم أو مراقبة كبير ، فكل كبير في جانب الحق صغير ، وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي : لا تستبدلوا بالحكم بالحق ثمنا قليلا ؛ كالرشوة والجاه ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مستهينا به ومنكرا له فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ؛ لاستهانتهم به . قال ابن عباس : نزلت الثلاثة في اليهود ، الكافرون والظالمون والفاسقون ، وقد روى في هذا أحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت جماعة : هي عامة ، فكل من لم يحكم بما أنزل اللّه من اليهود والمسلمين وغيرهم ، إلا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية ، وقال الشافعي : الكافرون في المسلمين ، والظالمون في اليهود ، والفاسقون في النصارى ، وهو أنسب لسياق الكلام ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد وصف اللّه تعالى القرآن بأعظم مما وصف به التوراة . قال تعالى : قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً « 2 » ؛ فجعل التوراة ظرفا للهداية والنور ، وجعل القرآن نفس النور والهداية . وربانيو هذه الأمة : أولياؤها العارفون بالله ، الذين يربون الناس ويرشدونهم إلى معرفة الشهود والعيان ، وأحبارها : علماؤها .
--> ( 1 ) الآية 9 من سورة الحجر . ( 2 ) الآية 174 من سورة النساء .