ابن عجيبة
428
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
خبره ، أي : وممن وصفنا : الذين ، أو منصوب على الذم ، و ( ضرارا ) وما بعده : علة ، وأصل ( هار ) : هائر ، فأخرت الهمزة ، ثم قلبت ياء ، ثم حذفت ؛ لالتقاء الساكنين . يقول الحق جل جلاله : وَ منهم الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً أي : لأجل المضارة بالمؤمنين وللكفر الذي أسروه ، وهو تعظيم أبى عامر الكافر ، وَتَفْرِيقاً بَيْنَ جماعة الْمُؤْمِنِينَ الذين كانوا يصلون في مسجد قباء . روى أن بنى عمرو بن عوف لمّا بنوا مسجد قباء سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتيهم فيصلى فيه ، فأتاهم فصلّى فيه ، فحسدتهم إخوانهم ؛ بنو غنم بن عوف ، فبنوا مسجدا على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر الراهب ، إذا قدم من الشام ، فلما أتموه أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : إنا قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة ، فصل لنا فيه حتى نتخذه مصلىّ ، وكان ذلك قبل خروجه لتبوك ، فقال لهم : « إني على جناح سفر ، وإذا قدمنا ، إن شاء اللّه ، صلّينا فيه » . فلما قدم أتوه ، فأخذ ثوبه ليقوم معهم ، فنزلت الآية ، فدعا مالك بن الدّخشم ، ومعن بن عدي ، وعامر بن السّكن ، فقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه ؛ ففعلوا ، واتخذوا مكانه كناسة « 1 » . ثم أشار إلى قصدهم الفاسد ، فقال : وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ أي : واتخذوه انتظارا ليؤمهم فيه من حارب اللّه ورسوله ، يعنى : أبا عامر الراهب ، فإنه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد : لا أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلتك معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فانهزم مع هوازن ، ثم هرب إلى الشام ؛ ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمات بقنّسرين « 2 » طريدا وحيدا . وكان أهل المدينة يسمونه قبل الهجرة : الراهب ، فسماه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الفاسق . وقوله : مِنْ قَبْلُ : متعلق بحارب ، أي : حارب من قبل هذا الوقت ، أو باتخذوا ، أي : اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف ؛ لأنه قبيل غزوة تبوك . وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى أي : ما أردنا ببنيانه إلا الخصلة الحسنى ، وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المسلمين . وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في حلفهم . ثم نهاه عن الصلاة فيه فقال : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً للصلاة ؛ إسعافا لهم ، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ من أيام وجوده ، أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ أي : أولى بأن تصلى فيه ، وهو مسجد قباء ، أسسه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أيام مقامه بقباء ، حين هاجر من مكة ، من الاثنين إلى الجمعة ، وهذا أوفق للقصة . وقيل : مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لقول أبي سعيد : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه ؟ فقال : « مسجدكم هذا ؛ مسجد المدينة » « 3 » .
--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي 4 / 93 - 94 وأسباب النزول للواحدي ( 264 ) . ( 2 ) قنسرين : مدينة قريبة من حلب من جهة حمص . ( 3 ) أخرجه مسلم في ( الحج ، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة ) .