ابن عجيبة
425
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والمخلطون هم الذين يكثر سقوطهم ورجوعهم ، عسى اللّه أن يتوب عليهم . والمنهمكون هم المصرون على الفواحش ، فإن سبقت لهم عناية رجعوا ، وإن لم تسبق لهم عناية فهم معرّضون لنقمة اللّه وحلمه . واللّه تعالى أعلم . ولما تاب اللّه على المتخلفين ، وأطلقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوثاق ، قالوا : يا رسول اللّه ، هذه أموالنا التي خلفتنا ، خذها فتصدّق بها وطهّرنا ، فقال عليه الصلاة السلام : « ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » . فأنزل اللّه في ذلك : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 103 إلى 104 ] خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) يقول الحق جل جلاله ، لنبيه - عليه الصلاة السلام : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ التي عرضوها عليك ، صَدَقَةً ، وهو الثلث ، فأخذ عليه الصلاة السلام من أموالهم الثلث ، وترك لهم الثلثين ، أو : خذ من أموالهم صدقة ، وهي الزكاة المفروضة ، والضمير لجميع المسلمين . من صفة تلك الصدقة : تُطَهِّرُهُمْ أنت يا محمد بها من الذنوب ، أو حب المال المؤدى بهم إلى البخل ، الذي هو أقبح الذنوب . وقرىء بالجزم ؛ جواب الأمر . وَتُزَكِّيهِمْ أي : تنمى بها حسناتهم ، أو ترفعهم بِها إلى درجات المخلصين ، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي : ترحم عليهم ، وادع لهم بالرحمة ، فكان عليه الصلاة السلام يقول لمن أتاه بصدقته : « اللهمّ صلّ على آل فلان » . فأتى أبو أوفى بصدقته فقال : « اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى » « 1 » . إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ؛ تسكن إليها نفوسهم ، وتطمئن بها قلوبهم ، لتحققهم بقبول دعائه عليه الصلاة السلام . قال القشيري : انتعاشهم بهمّتك معهم أتم من استقلالهم بأموالهم . ه . وجمع الصلوات ؛ لتعدد الموعد لهم ، وقرأ الأخوان وحفص بالتوحيد . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي : سميع باعترافهم عليم بندامتهم . أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ إذا صحت ، والضمير إما للتوب عليهم ، والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقتهم ، أو لغيرهم ، والمراد به التحضيض على التوبة ، وَ أنه هو الذي يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ؛ يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي : من شأنه قبول توبة التائبين ، والمتفضل عليهم بجوده وإحسانه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الزكاة ، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة ) ومسلم في ( الزكاة ، باب الدعاء لمن أتى بصدقته ) من حديث عبد اللّه بن أبي أوفى .