ابن عجيبة
421
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقوع ما يتربصونه عليهم . قال البيضاوي : الدوائر في الأصل : مصدر أضيف إليه السوء ؛ للمبالغة ، كقولك : رجل صدق . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : « السّوء » هنا ، وفي الفتح « 1 » بضم السين . ه . وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولونه عند الإنفاق ، عَلِيمٌ بما يضمرونه من الرياء وغيره . ثم ذكر ضدهم ، فقال : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ أي : يعد ما ينفقه من الزكاة وغيرها قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ ؛ تقربهم إليه زلفى ؛ لإخلاصهم فيها . وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أي : ويتخذ ما ينفق سبب صلوات الرسول ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يدعو للمتصدقين ، ويقول : اللهم صلّ على فلان ، ويستغفر لهم . ولذلك سن للمصدّق عليه أن يدعو للمتصدق عند أخذ صدقته ، لكن ليس له أن يصلى عليه ، كما كان يفعل صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن ذلك منصبه ، فله أن يتفضل به على غيره . أَلا إِنَّها أي : نفقاتهم ، قُرْبَةٌ لَهُمْ تقربهم إلى حضرة ربهم ، وهذا شهادة من اللّه لصحة معتقدهم وكمال إخلاصهم ، سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ، وعد من اللّه لهم بإحاطة الرحمة بهم ، أو سيدخلهم في جنته التي هي محل رحمته وكرامته ، والسين لتحقق وقوعه . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ يغفر ما فرط من الخلل ، ويتفضل برحمته على ما نقص عن درجات الكمال . قيل : إن الآية الأولى نزلت في أسد وغطفان وبنى تميم ؛ فهم الذين يتخذون ما ينفقون مغرما . والثانية نزلت في عبد اللّه ذي البجادين وقومه ؛ فهم الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند اللّه وصلوات الرسول . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد ورد الترغيب في سكنى المدن ؛ لأنها محل العلم وسماع الوعظ ، وفيها من يستعان بهم على الدين ، وورد الترغيب أيضا في سكنى الجبال والفرار بالدين من الفتن ، وخصوصا في آخر الزمان . ولهذا اختار كثير من الصحابة والتابعين سكنى البوادي ؛ كأبى ذر ، وسلمة بن الأكوع ، وغيرهما - رضى اللّه عنهم - . والتحرير في المسألة : أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد ، فمن كان مراده تحقيق الشريعة ، وتحرير مسائل العلم الظاهر ، والقيام بوظائف الدين ، ولم يجد في البادية من يعينه على ذلك ؛ فسكنى المدن أفضل له ، ومن كان مراده تصفية قلبه وتحقيق علم الطريقة ، وتهيئة القلب لإشراق أنوار الحقيقة ، فالاعتزال في البوادي ، وقرون الجبال ، أوفق له ، إن وجد من يستعين بهم على ذلك ؛ لأن شواغل المدن وعوائدها كثيرة ، وقد كثرت فيها الحظوظ والأهوية ؛ فلا تجد فيها إلا من هو مفتون بدنيا أو مبتلى بهوى ، بخلاف أهل البادية ، هذه العوائد فيهم قليلة ، وجلّ أهلها على الفطرة . وأيضا : هم مفتقرون إلى من يسوسهم بالعلم أكثر من غيرهم ، فمن تصدى لتعليمهم وتذكيرهم لا يعلم قدره إلا اللّه . قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه : [ أرحم الناس بالناس : من يرحم من لا يرحم نفسه ] . أي : من يرحم
--> ( 1 ) في قوله تعالى : وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ . . الآية 6 من سورة الفتح .