ابن عجيبة
415
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
البهية والمراغب السنية . أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ؛ بيان لبعض الخيرات الأخروية . الإشارة : إذا ظهر الدعاة إلى اللّه يشوقون الناس إلى حضرة اللّه ؛ ترى من صرف عنه عنان العناية ، ولم يضرب له مع السابقين بسهم الهداية ، يميل إلى التقاعد إلى وطن الراحة ، والميل إلى ما ألفه من سيىء العادة ، يستأذن أن يتخلف مع النساء والصبيان ، ويتنكب طريق الأقوياء من الشجعان ، فإن تخلف هذا مع عوام الضعفاء فقد تقدم لهذا الأمر من يقوم به من الأقوياء ، اختارهم اللّه لحضرته ، وقواهم على مكافحة مشاهدته ومحبته ، جاهدوا نفوسهم في معرفة محبوبهم ، وبذلوا أموالهم ومهجهم في الوصول إلى مطلوبهم ، ( وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ) . ثم ذكر اعتذار الأعراب ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 90 ] وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 90 ) قلت : ( المعذّرون ) : أصله : المعتذرون ، نقلت حركة التاء إلى العين ، وأدغمت التاء في الذال . وقرأ يعقوب : « المعذرون » : اسم مفعول ، من أعذر ، إذا بالغ في العذر . يقول الحق جل جلاله : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ يعتذرون في التخلف عن الغزو ؛ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في القعود ، قيل : هم أسد وغطفان ؛ استأذنوا في التخلف ؛ معتذرين بالجهد وكثرة العيال . قيل : كاذبين ، وقيل : صادقين . وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك غارت طيّىء على أهالينا ومواشينا ، وقيل : نزلت في قوم من غفار . وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ من غير هؤلاء ، وهم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا في تخلفهم ، فكذبوا في دعواهم الإيمان بالله ورسوله ، يقال : كذبت فلانا - بالتخفيف ، أي : أخبرته بالكذب . ثم ذكر وعيدهم فقال : سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ؛ في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار . الإشارة : المتخلفون عن طريق الخصوص على ثلاثة أقسام : قسم : أقروا بها ، وعرفوا صحتها ، ثم شحوا بأنفسهم وبخلوا بأموالهم ، فاعتذروا في التخلف عنها بأعذار باطلة ، فهؤلاء لا حجة لهم عند اللّه ، وقوم أقبح منهم ، لم يلتفتوا إلى من جاء بها ولم يرفعوا بذلك رأسا . قال تعالى في مثلهم : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .