ابن عجيبة
402
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : قال في الأساس : ومن المجاز : نسيت الشيء : تركته ، ( نسوا اللّه فنسيهم ) . قال في المشارق : ونسي بمعنى ترك ، معناه مشهور في اللغة ، ومنه : ( نسوا اللّه فنسيهم ) أي : تركوا أمره فتركهم . وقوله : ( كالذين من قبلكم ) : خبر ، أي : أنتم كالذين ، أو مفعول بمحذوف ، أي : فعلتم مثل فعل من قبلكم . يقول الحق جل جلاله : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي : متشابهة في الكفر والبعد عن الإيمان ، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم في النفاق والكفر ، وهو نفى لأن يكونوا مؤمنين . وقيل : إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله : إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وتقرير لقوله : وَما هُمْ مِنْكُمْ ، وما بعده كالدليل عليه ، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين . وهو قوله : يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ؛ كالكفر والمعاصي ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ؛ كالإيمان والطاعة ، وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن الإعطاء والمبار ، وهو كناية عن البخل والشح . نَسُوا اللَّهَ أي : غفلوا ، أي : أغفلوا ذكره ، وتركوا طاعته ، فَنَسِيَهُمْ ؛ فتركهم من لطفه ورحمته وفضله ، إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ؛ الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير . وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ أي : المجاهرين بالكفر ، نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي : مقدرين الخلود . قال ابن جزى : الأصل في الشر أن يقال : أوعد ، وإنما يقال فيه : « وعد » إذا صرح بالشر . ه . هِيَ حَسْبُهُمْ أي : جزاؤهم عقابا وعذابا ، وفيه دليل على عظم عذابها ، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ؛ أبعدهم من رحمته ، وأهانهم ، وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ لا ينقطع ، وهو العذاب الذي وعدوه ، أو ما يقاسونه من تعب النفاق ، والخوف من المؤمنين . كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي : أنتم كالذين من قبلكم ، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم ، كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً ، وهو بيان لتشبيههم بهم ، وتمثيل حالهم بحالهم ، فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي : نصيبهم من ملاذ الدنيا وحظوظها ، فأمّلوا بعيدا وبنوا مشيدا ، فرحلوا عنه وتركوه ، فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم رجعوا ، فَاسْتَمْتَعْتُمْ أنتم بِخَلاقِكُمْ أي : بنصيبكم مما خلق اللّه لكم وقدره لكم في الأزل ، كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ، ثم تركوا ذلك ورحلوا عنه ، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه . قال البيضاوي : ذمّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدّجة من الشهوات الفانية ، والتهائهم بها عن النظر في العاقبة ، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيرة ؛ تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم . ه .