ابن عجيبة

397

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال القشيري : كان ابن عطاء يفضل الغنى على الفقر ، فدعا عليه الجنيد فأصيب عقله ثلاثين سنة ، فلما رجع إليه عقله قال : إنما أصابني ما أصابني بدعاء الجنيد . وتكلم يحيى بن معاذ ، ففضل الغنى على الفقر ، فأعطاه بعض الأغنياء ثلاثين ألف درهم ، فدعا بعض المشايخ عليه ، فقال : لا بارك اللّه له فيها ، فخرج عليه اللص فنهبه إياها . ه . وحكى عن أبي يزيد البسطامي : أنه قال : أسرى بروحى ، فرأيت كأني واقف بين يدي اللّه ، فسمعت قائلا يقول : يا أبا يزيد ، إن أردت القرب منا فأتنا بما ليس عندنا ، فقلت : يا مولاي وأي شيىء ليس عندك ، ولك خزائن السماوات والأرض ؟ فسمعت : يا أبا يزيد ، ليس عندي ذل ولا فقر ، فمن أتاني بهما بلّغته . ه . وقال في الإحياء : الفقر المستعاذ منه : فقر المضطر ، والمسؤول هو : الاعتراف بالمسكنة والذلة والافتقار إلى اللّه عز وجل . ه . قلت : والأحسن أن المستعاذ منه هو : فقر القلوب من اليقين ، فيسكنها الجزع والهلع ، والفقر المسؤول هو : التخفيف من الشواغل والعلائق ، واللّه تعالى أعلم . وقد تكلم القشيري هنا على أخذ الزكاة وتركها ، فقال : من أهل المعرفة من رأى أنّ أخذ الزكاة المفروضة أولى ، قالوا : لأن اللّه - سبحانه - جعل ذلك ملكا للفقير ، فهو أحل له من المتطوع به . ومنهم من قال : الزكاة المفروضة لأقوام مستحقة ، ورأوا الإيثار على الإخوان أولى ، فلم يزاحموا أرباب السهمان ، وتحرجوا من أخذ الزكاة ، ومنهم من قال : إن ذلك وسخ الأموال ، وهو لأصحاب الضرورات . وقالوا : نحن آثرنا الفقر اختيارا . . فلم يأخذوا الزكاة المفروضة . ه . وقوله تعالى : ( والعاملين عليها ) : هم : المستعدون للمواهب بالتفرغ والتجريد ، ( والمؤلفة قلوبهم ) على حضرة محبوبهم ، والجادّون في فك الرقاب من الجهل والغفلة ؛ وهم أهل التذكير ، الداعون إلى اللّه ، ( والغارمين ) أي : الدافعون أموالهم ومهجهم في رضى محبوبهم ، فافتقروا فاستحقوا حظهم من المواهب والأسرار ، و ( في سبيل اللّه ) أي : والمجاهدون أنفسهم في مرضاة اللّه ، ( وابن السبيل ) : السائحين في طلب معرفة اللّه . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر نوعا آخر من مساوئ المنافقين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 61 ] وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 61 )