ابن عجيبة
386
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
العصيان ، أذنت أو لم تأذن . ه . قال ابن جزى : كانوا قد قالوا : استأذنوه في القعود ، فإن أذن لنا قعدنا ، وإن لم يأذن قعدنا ، وإنما كان يظهر الصادق من الكاذب لو لم يأذن لهم ، فحيئنذ كان يقعد العاصي والمنافق ، ويسافر المطيع الصادق . ه . لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي : ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا ، بل الخلّص منهم يبادرون إليه ، ولا يوقفونه على الإذن فيه ، فضلا عن أن يستأذنوا في التخلف عنه ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ؛ فيثيبهم ويقربهم ، وهي شهادة لهم بالتقوى وعدة لهم بثوابه . إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في التخلف الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وخصص ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ إشعارا بأن الباعث على الجهاد والوازع عنه : الإيمان وعدم الإيمان بهما ، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ أي : شكّت في الإيمان والبعث ، فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ : يتحيرون . ونزلت الآية في عبد اللّه بن أبىّ والجدّ بن قيس ، وأمثالهما من المنافقين . الإشارة : لا ينبغي للعارفين بالله ؛ الداعين إلى اللّه ، أن يأذنوا لمن استأذنهم في التخلف عن الجهاد الأكبر ، ويرخصون له في البقاء مع النفس والهوى ، وجمع حطام الدنيا ، شفقة ورحمة ؛ لأن الشفقة في هذا المعنى لا تليق بأهل التربية ، فقد قالوا : الشفقة والرطوبة لا تليق بشيوخ التربية ، بل لا يليق بهم إلا الأمر بما تموت به النفوس ، وتحيا به الأرواح ، وإن كان فيه حتفهم . وقد قالوا أيضا : إذا كان الشيخ يحرش على المريد « 1 » ، ويقدمه للمهالك في نفسه أو ماله أو جاهه ، فهو دليل على أنه يحبه وينصحه ، وإذا كان يرخص له في أمور نفسه ، ويأمره بالمقام معها ، فهو غير ناصح له . وأما الإذن في التجريد وعدمه : فإن رآه أهلا له ؛ لنفوذ عزمه ، فيجب عليه أن يأمره به ، وإن رآه لا يليق به ؛ لعوارض قامت به ، منعه منه ، حتى ينظر ما يفعل اللّه به ، وسأل رجل القطب ابن مشيش ، فقال له : يا سيدي ؛ أستأذنك في مجاهدة نفسي ؟ فقال له : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ . إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ .
--> ( 1 ) أي : يدفعه .