ابن عجيبة

365

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أي : ما صح لهم أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ أي : شيئا من المساجد ، فضلا عن المسجد الحرام ، وقيل : هو المراد ، وإنما جمع ؛ لأنه قبلة المساجد وإمامها ، فأمره كأمرها ، ويدل عليه قراءة من قرأ بالتوحيد ، أي : ليس لهم ذلك ، وإن كانوا قد عمروه تغلبا وظلما ، حال كونهم شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ؛ بإظهار الشرك وتكذيب الرسول ، أي : ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متباينين : عمارة بيت اللّه ، وعبادة غير اللّه ، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ في الدنيا والآخرة ؛ لما قارنها من الشرك والافتخار بها ، وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ؛ لأجل كفرهم . إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ ، أي : إنما تستقيم عمارتها بهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ، ومن عمارتها : تزيينها بالفرش ، وتنويرها بالسرج ، وإدامة العبادة والذكر ودروس العلم فيها ، وصيانتها مما لم تبن له ؛ كحديث الدنيا . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : قال اللّه تعالى : « إنّ بيوتي في أرضى المساجد ، وإنّ زوّارى فيها عمّارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ، ثم زارني في بيتي ، فحقّ على المزور أن يكرم زائره » . ووقف عبد اللّه بن مسعود على جماعة في المسجد يتذاكرون العلم فقال : بأبى وأمي العلماء ، بروح اللّه ائتلفتم ، وكتاب اللّه تلوتم ، ومسجد اللّه عمرتم ، ورحمة اللّه انتظرتم ، أحبكم اللّه وأحب من أحبكم . ه . وإنما لم يذكر الإيمان بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لما علم أن الإيمان بالله قرينه وتمامه الإيمان به ، ولدلالة قوله : وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ عليه . قاله البيضاوي . وَلَمْ يَخْشَ في أموره كلها إِلَّا اللَّهَ ، فهذا الذي يصلح لعمارة بيت اللّه ، فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ، وعبّر بعسى ، قطعا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم ، وتوبيخا لهم على القطع بأنهم مهتدون ؛ فإن كان اهتداء هؤلاء ، مع كمالهم ، دائرا بين عسى ولعل ، فما ظنك بأضدادهم ؟ ، ومنعا للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم فيتكلوا عليها . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من رأيتموه يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان » ، ثم تلا الآية « 1 » . الإشارة : مساجد الحضرة محرمة على أهل الشرك الخفي والجلي ، لا يدخل الحضرة إلا قلب مفرد ، فيه توحيد مجرد ، لا يعمر مساجد الحضرة إلا قلب مطمئن بالله ، غائب عما سواه ، قد رفض الركون إلى الأسباب ، وأفرد

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( التفسير - سورة التوبة ) وابن ماجة في ( المساجد - باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة ) والدارمي في ( الصلاة - باب المحافظة على الصلوات ) من حديث أبي سعيد الخدري .