ابن عجيبة
359
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فإذا انقضت الأربعة التي أمهلتهم فيها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الناكثين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من حل أو حرم ، وَخُذُوهُمْ أسارى ، ويقال للأسير : أخيذ ، وَاحْصُرُوهُمْ ؛ واحبسوهم ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ؛ كل ممر وطريق ؛ لئلا ينبسطوا في البلاد ، فَإِنْ تابُوا عن الشرك وآمنوا ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ؛ تصديقا لتوبتهم وإيمانهم ؛ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي : فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشئ من ذلك . وفيه دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله ، بل يقاتل ؛ كما فعل الصديق رضى اللّه عنه بأهل الردة . والآية : في معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلّا اللّه ، ويقيموا الصّلاة ، ويؤتوا الزّكاة . . . » الحديث « 1 » . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، هو تعليل لعدم التعرض لمن تاب ، أي : فخلوهم ؛ لأن اللّه قد غفر لهم ، ورحمهم بسبب توبتهم . الإشارة : فإذا انقضت أيام الغفلة والبطالة التي احترقت النفس فيها ، فاقتلوا النفوس والقواطع والعلائق حيث وجدتموهم ، وخذوا أعداءكم من النفس والشيطان والهوى ، واحصروهم ، واقعدوا لهم كل مرصد يتعرضون فيه لكم ، فإن أذعنوا ، وانقادوا ، وألقوا السلاح ، فخلوا سبيلهم ، إن اللّه غفور رحيم . ولما أمر بقتال المشركين وأخذهم أينما ثقفوا ، استثنى من أتى يطلب الأمان ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 6 ] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) قلت : « أحد » : فاعل بفعل يفسره : « استجارك » . يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ أتاك أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ المأمورين بالتعرض لهم ، حيثما وجدوا ، اسْتَجارَكَ ؛ يطلب جوارك ، ويستأمنك ، فَأَجِرْهُ أي : فأمنه ؛ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويتدبره ، ويطلع على حقيقة الأمر ، لعله يسلم ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي : موضع أمنه إن لم يسلم ، ولا تترك أحدا يتعرض له حتى يبلغ محل أمنه ؛ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ أي : ذلك الأمر الذي أمرتك به بسبب أنهم قوم لا علم لهم بحقيقة الإيمان ، ولا ما تدعوهم إليه ، فلا بد من إيجارهم ، لعلهم يسمعون ويتدبرون ؛ فيكون ذلك سبب إيمانهم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الاعتصام - باب الاقتداء بسنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) ومسلم في ( الإيمان - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ) . من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه .