ابن عجيبة

356

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : هذه بَراءَةٌ أي : تبرئة مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واصلة إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فقد تبرأ اللّه ورسوله من كل عهد كان بين المشركين والمسلمين ، لأنهم نكثوا أولا ، إلا أناسا منهم لم ينكثوا ، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ، وسيأتي استثناؤهم . قال البيضاوي : وإنما علقت البراءة بالله وبرسوله ، والمعاهدة بالمسلمين ؛ للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم ، وإن كانت صادرة بإذن اللّه واتفاق الرسول ؛ فإنهما برئا منها . ه . وقال ابن جزى : وإنما أسند العهد إلى المسلمين ؛ لأن فعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لازم للمسلمين ، وكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد عقد العهد مع المشركين إلى آجال محدودة ، فمنهم من وفّى ، فأمر اللّه أن يتم عهده إلى مدته ، ومنهم من نقض أو قارب النقض ، فجعل له أجل أربعة أشهر ، وبعدها لا يكون له عهد . ه . وإلى ذلك أشار بقوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ آمنين لا يتعرض لكم أحد ، وبعدها لا عهد بيني وبينكم . وذكر الطبري : أنهم أسلموا كلهم في هذه المدة ولم يسح أحد . ه . وهذه الأربعة الأشهر : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، لأنها نزلت في شوال ، وقيل : هي عشرون من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع الأول ، وعشر من الآخر ، لأن التبليغ كان يوم النحر ؛ لما روى ( أنها لمّا نزلت أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليا رضى اللّه عنه راكبا العضباء ليقرأها على أهل الموسم ، وكان قد بعث أبا بكر رضى اللّه عنه أميرا على الموسم ، فقيل : لو بعثت بها إلى أبى بكر ؟ فقال : « لا يؤدّى عنّى إلا رجل منّى » فلمّا دنا علىّ رضى اللّه عنه سمع أبو بكر الرّغاء ، فوقف ، وقال : هذا رغاء ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فوقف ، فلمّا لحقه قال : أمير أو مأمور ؟ قال : مأمور ، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضى اللّه عنه ، وحدّثهم عن مناسكهم ، وقام علىّ - كرم اللّه وجهه - يوم النّحر ، عند جمرة العقبة ، فقال : يا أيها النّاس ، إني رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليكم ، فقالوا : بماذا ؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من أول السورة ، ثم قال : أمرت بأربع : ألا يقرب البيت بعد هذا مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنّة إلا نفس مؤمنة ، وأن يتمّ إلى كلّ ذي عهد عهده . ) « 1 » . ولعل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولا يؤدى عنى إلا رجل منى » خاص بنقض العهود ؛ لأنه قد بعث كثيرا من الصحابة ليؤدوا عنه ، وكانت عادة العرب ألّا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها . قاله البيضاوي مختصرا . ثم قال تعالى لأهل الشرك : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي : لا تفوتونه ، وإن أمهلكم ، وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ في القتل والأسر في الدنيا ، والعذاب المهين في الآخرة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الصلاة - باب ما يستر من العورة ) ومسلم في ( الحج - باب لا يحج البيت مشرك ) كلاهما من حديث أبي هريرة ، وليس فيه ذكر قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا يؤدى عنى إلا رجل منى ) ، وقد جاءت في رواية عند أحمد في المسند ( 1 / 3 ) والترمذي في ( تفسير سورة التوبة ) .