ابن عجيبة
350
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
روى أنها نزلت في العباس رضى اللّه عنه ؛ كلّفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يفدى نفسه ، وابني أخويه : عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ، فقال : يا محمد ؛ تركتني أتكفف قريشا ما بقيت ، فقال له عليه الصلاة والسلام : وأين الذهب الذي دفعته لأمّ الفضل وقت خروجك ، وقلت لها : لا أدرى ما يصيبني في وجهي هذا ، فإن حدث بي حدث فهو لك ، ولعبد اللّه ، وعبيد اللّه والفضل ، وقثم ، قال له وما يدريك ؟ قال : أخبرني به ربى تعالى ، قال : فأشهد أنك صادق ، وأن لا إله إلا اللّه ، وأنك رسول اللّه ، واللّه لم يطلع عليه أحد إلا اللّه ، ولقد دفعته إليها في سواد اللّيل . قال العباس : فأبدلني اللّه خيرا من ذلك ، أعطاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المال الذي قدم من البحرين ما لم أقدر على حمله ، ولى الآن عشرون عبدا ، إن أدناهم يضرب - أي : يتجر - في عشرين ألفا ، وأعطاني زمزم ، ما أحب أنّ لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربكم ، يعنى : الموعود بقوله تعالى : ( يغفر لكم واللّه غفور رحيم ) « 1 » . وَإِنْ يُرِيدُوا ؛ الأسارى خِيانَتَكَ ؛ بنقض ما عهدوك به ، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ ؛ بالكفر والمعاصي فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وأمكنك من ناصيتهم ، فقبضوا وأسروا ببدر ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ لا يخفى عليه شئ ، حَكِيمٌ فيما دبر وأمضى . الإشارة : يقال للفقراء المتوجهين إلى اللّه ، الذين بذلوا أموالهم ومهجهم ، وقتلوا نفوسهم في طلب محبوبهم : إن يعلم اللّه في قلوبكم خيرا ، كصدق وإخلاص ، يؤتكم أفضل مما أخذ منكم ، من ذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس . وهو الغناء الأكبر ، والسر الأشهر ، الذي هو الفناء في اللّه ، والغيبة عما سواه ، وثمرته : المشاهدة التي تصحبها المكالمة ، وهذا هو الإكسير والغنا الكبير ، فكل من باع نفسه في طلب هذا فقد ربحت صفقته وزكت تجارته ، مع غفران الذنوب ، وتغطية المساويء والعيوب . وبالله التوفيق . ثم بيّن فضائل المهاجرين والأنصار ، ومنزلة من آمن ولم يهاجر ، والذين هاجروا بعد الحديبية ، تتميما للتحريض على الجهاد ، فبدأ أولا بالمهاجرين والأنصار ، فقال :
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في ( المستدرك 3 / 324 ) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي - والطبري في تفسير الآية ، عن السيدة عائشة رضى اللّه عنها .