ابن عجيبة

347

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ؛ أمرهم بمقاومة الواحد لاثنين . وقيل : كان فيهم قلة ، فلما كثروا خفف عنهم ، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة ؛ للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد ، والضعف : ضعف البدن ، لا ضعف القلب . قال بعض الصحابة - رضي اللّه عنهم - : لما نزل التخفيف ذهب من الصبر تسعة أعشار ، وبقي العشر . ولذلك قال تعالى هنا : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ، أي : بالنصر والمعونة ، فكيف لا يغلب من يقاومهم ولو كثر عدده ؟ . الإشارة : ينبغي لأهل التذكير أن يحرضوا الناس على جهاد نفوسهم ، الذي هو الجهاد الأكبر ، وإنما كان أكبر ؛ لأن العدد الحسى يقابلك وتقابله ، بخلاف النفس فإنها جاء تحت الرماية خفية عدو حبيب ، فلا يتقدم لجهادها إلا الرجال ، فينبغي للشيوخ أن يحضوا المريدين على جهادها ، ويهونوا لهم شأنها ؛ فإنّ النفس لا يهول أمرها إلا قبل رمى اليد فيها ، فإذا رميت يدك فيها بالعزم على قتلها ضعفت ولانت ، وسهل علاجها ، وإذا خفت منها ، وسوّفت لها ، طالت عليك وملكتك . ولا بد في جهادها من شيخ يريك مساوئها ، ويعينك بهمته على قتلها ، وإلّا بقيت في العنت معها ، والشغل بمعاناتها حتى تموت بلا حصول نتيجة جهادها ، وهي المعرفة بسيدها وخالقها . واللّه تعالى أعلم . ثم عاتبهم على أخذ الفداء من الأسارى ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 67 إلى 69 ] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 69 ) يقول الحق جل جلاله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى يقبضها حَتَّى يُثْخِنَ أي : يبالغ فِي الْأَرْضِ ؛ بالقتل حتى يذل الكفر ويقل حزبه ، ويعز الإسلام ويستولى أهله . تُرِيدُونَ بقبض الأسارى عَرَضَ الدُّنْيا ؛ حطامها بأخذ الفداء منهم ، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي : يريد لكم ثواب الآخرة ، الذي يدوم ويبقى ، أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ يغلب أولياءه على أعدائه ، حَكِيمٌ يعلم ما يليق بكمال حالهم ويخصهم بها ، كما أمر بالإثخان ، ومنع من أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين ، وخيّر بينه وبين المنّ لما تحولت الحال ، وصارت الغلبة للمؤمنين . روى أنه عليه الصلاة والسلام أتى يوم بدر بسبعين أسيرا ، فيهم العبّاس وعقيل بن أبي طالب . فاستأذن فيهم ؛ فقال أبو بكر رضى اللّه عنه : قومك وأهلك ، استبقهم ، لعلّ اللّه يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوّى بها أصحابك . وقال عمر