ابن عجيبة
345
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بقدرته البالغة ؛ فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء . إِنَّهُ عَزِيزٌ تام القدرة ، لا يعصى عليه ما يريده ، حَكِيمٌ يعلم كيف ينبغي أن يفعل ما يريده . قيل : إن الآية نزلت في الأوس والخزرج ، كان بينهم إحن وضغائن لا أمد لها ، ووقائع هلكت فيها ساداتهم ، فأنساهم اللّه ذلك ، وألفّ بينهم بالإسلام ، حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين . وبالله التوفيق . الإشارة : وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها ؛ بأن ألقت السلاح ، ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح ، وعقدت الرجوع عن هواها ، والدءوب على طاعة مولاها ، فالواجب عقد الصلح معها ، وتصديقها فيما تأمر به أو تنهى عنه ، مما يرد عليها ، مع التوكل على مولاها ، فإن خدعت بعد ذلك ، أو رجعت إلى مألوفها ، فالله يكفى أمرها ، ويقوى صاحبها على ردها ، إما بسبب شيخ كامل ، أو أخ صالح ، فإن الصحبة فيها سر كبير ، لا سيما مع أهل الصفاء ، الذين صفت قلوبهم ، وألف اللّه بينهم بالمحبة والوداد ، وحسن الظن والاعتقاد ، وإما بسابق عناية ربانية وقوة إلهية . وبالله التوفيق . ثم أمر نبيه بالاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 64 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) قلت : ( حسبك ) : مبتدأ ، و ( اللّه ) : خبر ، ويصح العكس ، و ( من اتبعك ) : إما عطف على ( اللّه ) ، أي : كفاك اللّه والمؤمنون ، أو في محل نصب على المفعول معه ، أو في محل جر ؛ عطف على الضمير ، على مذهب الكوفيين ، أي : حسبك وحسب من اتبعك اللّه ، والأول : أصح . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ أي : كافيك اللّه ، فلا تلتفت إلى شئ سواه ، أي : لمّا مننت عليك بائتلاف قلوب المؤمنين في نصرتك ، فلا تلتفت إليهم في محل التوحيد ، فإني حسبك وحدي بغير معاونة الخلق ، فينبغي أن تفرد القدم عن الحدوث في سيرك منى إلىّ ، وأنا حسب المؤمنين عن كل ما دونى ، وإن كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا ، ولا ينبغي في حقيقة التوحيد النظر إلى غيرى ، وإنما أيدتك بواسطة المؤمنين ، وذكرتهم معي ؛ تشريفا لأمتك ، وسترا لقدرتى ، وإظهارا لكمال حكمتى ، وإلا فقدرتى لا يفوتها شئ ، ولا تتوقف على شئ ؛ « جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل » . قال البيضاوي : نزلت الآية تأييدا في غزوة بدر ، وقيل : أسلم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، ثم أسلم عمر رضى اللّه عنه ، فنزلت . ولذلك قال ابن عباس - رضى اللّه عنهما - : نزلت في إسلامه .