ابن عجيبة

338

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وعلى هذا ، يحتمل أن يكون معنى قوله : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أي : أخاف أن يصيبني مكروها من الملائكة ، أو يهلكني ، ويكون هذا الوقت هو الوقت الموعود ، إذ رأى فيه ما لم ير قبله . والأول : ما قاله الحسن ، واختاره ابن حجر . وقال الورتجبي : أي : إني أخاف عذاب اللّه ، وذلك بعد رؤية البأس ، ولا ينفع ذلك ، ولو كان متحققا في خوفه ما عصى اللّه طرفة عين . ه . وذكر ابن حجر عن البيهقي ، عن علىّ - كرم اللّه وجهه - ، قال : هبت ريح شديدة ، فلم أر مثلها ، ثم هبت ريح شديدة ، وأظنه ذكر ثالثة ، فكانت الأولى جبريل ، والثانية ميكائيل ، والثالثة إسرافيل ، وكان ميكائيل عن يمين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفيها أبو بكر ، وإسرافيل عن يساره ، وأنا فيها . وعن عليّ أيضا : قيل لىّ ولأبى بكر يوم بدر : مع أحدكما جبريل ، ومع الآخر ميكائيل ، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال . انتهى . وقوله تعالى : وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ، يجوز أن يكون من كلام إبليس ، وأن يكون مستأنفا . الإشارة : عادة الشيطان مع العوام أن يغريهم على الطعن والإنكار على أولياء اللّه ، وإيذائهم لهم ، فإذا رأى غيرة اللّه على أوليائه نكص على عقبيه ، وقال : إني منكم برئ ؛ إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف اللّه ، واللّه شديد العقاب . ثم ذكر مقالة المنافقين في شأن المسلمين ، حيث خرجوا لغزوة بدر ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 49 ] إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 ) يقول الحق جل جلاله : واذكروا إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ من أهل المدينة ، أو نفر من قريش كانوا أسلموا وبقوا بمكة ، فخرجوا يوم بدر مع الكفار ، منهم : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو القيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن ربيعة بن الأسود ، وعلي بن أمية بن خلف ، وَ هم الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي : شك ؛ لم تطمئن قلوبهم ، بل بقي فيها شبهة ، قالوا : غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ أي : اغتر المسلمون بدينهم ، فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به ، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف . فأجابهم الحق تعالى بقوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي : غالب لا يذل من استجار به ، وإن قلّ ، حَكِيمٌ يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل ، ويعجز عن دركه الفهم . الإشارة : إذا عظم اليقين في قلوب أهل التقى أقدموا على أمور عظام ، تستغرب العادة إدراكها ، أو يغلب العطب فيها ، فيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : غرّ هؤلاء طريقتهم ، ومن يتوكل على اللّه فإن اللّه عزيز