ابن عجيبة

33

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ القتل الذي صدر من قابيل لأخيه هابيل ، وما نشأ عنه من التجرؤ على الدماء والمفاسد ، حيث سنه أولا ولم يكن يعرفه أحد ، فاقتدى به من بعده ، كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ في التوراة الذي حكمه متصل بشريعتكم ، أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي : في غير قصاص ، وبغير فساد في الأرض ، كقطع الطريق والكفر ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً من حيث إنه هتك حرمة الدماء ، وسن القتل ، وجرأ الناس عليه . وفي البخاري عن ابن مسعود قال : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تقتل نفس مسلمة بغير حق إلّا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ؛ لأنّه أوّل من سن القتل » « 1 » . أو من حيث إن قتل الواحد والجميع سواء في استجلاب غضب اللّه والعذاب العظيم ، أو يكون الناس خصماءه يوم القيامة ؛ لأن هتك حرمة البعض كالكل . وَمَنْ أَحْياها أي : تسبب في حياتها بعفو أو منع من القتل ، أو استبقاء من بعض أسباب الهلكة ؛ كإنقاذ الغريق والحريق وشبه ذلك ، فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ؛ أعطى من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعا ، وفي البخاري : « من أحياها - أي من حرّم قتلها إلا بحق حيى الناس منه جميعا » . قال ابن جزى : والقصد بالآية تعظيم قتل النفس والتشديد فيه ، ليزدجر الناس عنه وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع لتعظيم الأمر والترغيب فيه . ه . فما كتبه اللّه على بني إسرائيل هو أيضا شرع لنا . قال أبو سعيد : ( والذي لا إله إلا هو ما جعل دم بني إسرائيل أكرم على اللّه من دمائنا ) . وإنما خصهم بالذكر ؛ لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب ، وغلظ عليهم بسبب طغيانهم ، ولتلوح مذمتهم . انظر ابن عطية . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سقى مؤمنا شربة ماء والماء موجود ، فكأنما أعتق سبعين رقبة ، ومن سقى في غير موطنه فكأنّما أحيا الناس جميعا » . الإشارة : كل من صدّ نفسا عن إحياء قلبها وعوقها عن من يعرفها بربها فكأنما قتلها ، ومن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ؛ لأن المؤمنين كلهم كالجسد الواحد ، كما في الحديث ، ومن أحياها بأن أنقذها من الغفلة إلى اليقظة ، ومن الجهل إلى المعرفة ، فكأنما أحيا الناس جميعا ؛ لأن الأرواح جنس واحد ، فإحياء البعض كإحياء الكل . وبهذا يظهر شرف مقدار العارفين ، الدالين على اللّه ، الدعاة إلى معرفة اللّه ، الذين أحيا اللّه بهم البلاد والعباد ، وفي بعض الأثر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمنّ لكم : إنّ أحبّ عباد اللّه إلى اللّه الذين يحبّبون اللّه إلى عباده ، ويحببون عباد اللّه إلى اللّه ، ويمشون في الأرض بالنصيحة » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( كتاب الأنبياء ، باب خلق آدم ) ومسلم في ( القسامة ، باب بيان إثم من سنّ القتل ) .