ابن عجيبة
329
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما سلمت عير قريش من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ووقعت غزوة بدر ، وكان مات فيها صناديدهم ، حبس أبو سفيان ذلك المال ، وأنفقه في حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه في ذلك وفي غيره ، ممن أنفق في إعانة الكفار على حرب المسلمين قوله : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( 36 ) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 37 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا بذلك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، ويحاربون اللّه ورسوله . قيل : نزلت في أصحاب العير ؛ فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم : أعينوا بهذا المال على حرب محمد ، لعلنا ندرك منه ثأرنا ، ففعلوا ، وقيل : في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش ، يطعم كل واحد منهم ، كل يوم ، عشر جزر ، وقيل : في أبي سفيان ، استأجر ليوم أحد ألفين من العرب ، وأنفق عليهم أربعين أوقية . قال تعالى : فَسَيُنْفِقُونَها بتمامها ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة ، فيصير إنفاقها ندما وغما ، لفواتها من غير حصول المقصود ، وجعل ذاتها تصير حسرة ، وهي عاقبة إنفاقها ؛ مبالغة . قال البيضاوي : ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال ، وهو إنفاق بدر ، والثاني عن إنفاقهم فيما يستقبل ، وهو إنفاق غزوة أحد ، ويحتمل أن يراد بهما واحد ، على أن مساق الأول لبيان غرض الإنفاق ، ومساق الثاني لبيان عاقبته ، وهو لم يقع بعد . ه . قلت : وهذا الأخير هو الأحسن . ثم ذكر وعيدهم فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي : الذين ثبتوا على الكفر منهم ؛ إذ أسلم بعضهم ، إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ؛ يضمون ويساقون ، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ؛ الكافرين من المؤمنين ، أو الفساد من الصلاح ، أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما أنفقه المسلمون في نصرته ، أي : حشرهم إليه ليفرق بين الخبيث والطيب ، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ أي : يجمعه ، أو يضم بعضه إلى بعض ، حتى يتراكموا من فرط ازدحامهم ، فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ كله ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الكاملون في الخسران ، لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم ، والإشارة تعود على الخبيث ؛ لأنه بمعنى الفريق الخبيث ، أو على المنفقين ليصدوا عن سبيل اللّه . واللّه تعالى أعلم .