ابن عجيبة

327

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا الذي أتى به محمد هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ؛ كأصحاب لوط ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ، قيل : القائل هذا هو النّضر بن الحارث ، وهو أبلغ في الجحود . روى أنه لما قال : « إن هذا إلا أساطير الأولين » ، قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويلك إنه كلام اللّه » فقال هذه المقالة . والذي في صحيحي البخاري ومسلم : أن القائل هو أبو جهل « 1 » ، وقيل : سائر قريش لمّا كذبوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعوا على أنفسهم ، زيادة في تكذيبهم وعتوهم . وقال الزمخشري : ليس بدعاء ، وإنما هو جحود ، أي : إن كان هذا هو الحق فأمطر علينا ، لكنه ليس بحق فلا نستوجب عقابا . بالمعنى . الإشارة : قد وقعت هذه المقالة لبعض المنكرين على الأولياء ، فعجلت عقوبته ، ولعل ذلك الولي لم تتسع دائرة حلمه ومعرفته ، وإلا لكان على قدم نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ حيث قال اللّه تعالى في شأنه : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 33 إلى 34 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 ) يقول الحق جل جلاله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ موجود فِيهِمْ ، ونازل بين أظهرهم ، وقد جعلتك رحمة للعالمين ، خصوصا عشيرتك الأقربين ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قيل : كانوا يقولون : غفرانك اللهم ، فلما تركوه عذبوا يوم بدر ، وقيل : وفيهم من يستغفر ، وهو من بقي فيهم من المؤمنين ، فلما هاجروا كلهم عذبوا ، وقيل : على الفرض والتقدير ، أي : ما كان اللّه ليعذبهم لو آمنوا واستغفروا . قال بعض السلف : كان لنا أمانان من العذاب : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والاستغفار ، فلما مات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذهب الأمان الواحد وبقي الآخر « 2 » ، والمقصود من الآية : بيان ما كان الموجب لإمهاله لهم والتوقف على إجابة دعائهم ، وهو وجوده صلّى اللّه عليه وسلّم أو من يستغفر فيهم . ثم قال تعالى : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أي : وأىّ شئ يمنع من عذابهم ؟ وكيف لا يعذبون وَهُمْ يَصُدُّونَ الناس عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ؟ أي : يمنعون المتقين من المسجد الحرام ، ويصدون رسوله عن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( تفسير سورة الأنفال ) ومسلم في ( صفات المنافقين ، باب في قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) من حديث أنس بن مالك رضى اللّه عنه . ( 2 ) رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم باق فينا بهديه وسنته ، وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ .