ابن عجيبة

324

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم دلهم على ما فيه دواء القلوب ومحو العيوب ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 29 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ، كما أمركم ، يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ؛ نورا في قلوبكم ، تفرقون به بين الحق والباطل ، والحسن والقبيح . قال ابن جزى : وذلك دليل على أن التقوى تنور القلب ، وتشرح الصدر ، وتزيد في العلم والمعرفة . ه . أو : نصرا يفرق بين المحق والمبطل ؛ بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين ، أو مخرجا من الشبهات ، أو نجاة مما تحذرون في الدارين من المكروهات ، أو ظهورا يشهر أمركم ويثبت صيتكم ، من قولهم : سطع فرقان الصبح ، أي : نوره ، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي : يسترها ، فلا يفضحكم يوم القيامة ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ؛ يتجاوز عن مساوئكم ، أو يكفر صغائركم ويغفر كبائركم ، أو يكفر ما تقدم ويغفر ما تأخر ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، ففضله أعظم من كل ذنب ، وفيه تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان ، لا أن تقواهم أوجبت ذلك عليه ، كالسيد إذا وعد عبده أن يعطيه شيئا في مقابلة عمل أمره به ، مع أنه واجب عليه لا محيد له عنه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الفرقان الذي يلقيه اللّه في قلوب المتقين من المتوجهين هو نور الواردات الإلهية ، التي ترد على القلوب من حضرة الغيوب ، وهي ثلاثة أقسام : وارد الانتباه : وهو نور يفرق به بين الغفلة واليقظة ، وبين البطالة والنهوض إلى الطاعة ، فيترك غفلته وهواه ، وينهض إلى مولاه ، ووارد الإقبال : وهو نور يفرق به بين الوقوف مع ظلمة الحجاب وبين السير إلى شهود الأحباب ، ووارد الوصال : وهو نور يفرق به بين ظلمة الأكوان ، ونور الشهود ، أو بين ظلمة سحاب الأثر وشهود شمس العرفان . وإلى هذه الواردات الثلاثة أشار في الحكم بقوله : « إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا ، أورد عليك الوارد ليسلمك من يد الأغيار ، ويحررك من رق الآثار ، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك » . ثم ذكّر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بما فعل معه من الحفظ والرعاية من أعدائه اللئام ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 30 ] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 )