ابن عجيبة

321

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

منه فتنة ، وهو همه بما لا يجوز ، تعدّت فتنته إلى السر وهي الحجبة . وكذلك المقدّم في شأنه ، إذا فعل ما لا يجوز ، انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى متّبعيه وتلامذته ، فكان انقطاع تلك البركات عنهم نصيبهم من الفتنة ، وهم لم يعملوا ذنبا ، ويقال : إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر أصابتهم فتنة بتركهم الإنكار عليهم فيما فعلوا من الإجرام . ثم قال : ويقال : إنّ الزاهد إذا انحط إلى رخصة الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا بما فوق الكفاية - وإن كانت من وجه حلال - تعدت فتنته إلى من يتخرج على يديه من المبتدئين ، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة في الدنيا ، وترك التقلل ، فيؤديه إلى الانهماك في أودية الغفلة في الأشغال الدنيوية . والعابد إذا جنح إلى سوء ترك الأوراد تعدّى ذلك إلى ما كان ينشط في المجاهدة به ، ويتوطّن الكسل ، ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات ، فيصير كما قيل : إن الشباب والفراغ والجدة * مفسدة للمرء أي مفسدة « 1 » فهذا يكون نصيبهم من الفتنة ، والعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له ، نظر إليه المريد فتتداخله فتنة فترة فيما هو به من صدق المنازلة ، فيكون ذلك نصيبه من فتنة العارف . وبالجملة : إذا غفل الملك ، وتشاغل عن سياسة رعيته ، تعطّل الجند والرعية ، وعظم فيهم الخلل والبليّة ، وفي معناه أنشدوا : رعاتك ضيّعوا - بالجهل منهم * غنيمات فساستها ذئاب . انتهى كلامه رضى اللّه عنه . ثم ذكّرهم بالنعم ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 26 ] وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) يقول الحق جل جلاله : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ أي : اذكروا هذه النعمة ، حيث كنتم بمكة وأنتم قليل عددكم مع كثرة عدوكم ، مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أي : أرض مكة ، يستضعفكم قريش ويعذبونكم ويضيقون عليكم ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ أي : قريش ، أو من عداهم ، فَآواكُمْ إلى المدينة ، وجعلها لكم مأوى

--> ( 1 ) البيت لأبى العتاهية . . انظر : ( نهاية الأرب 3 / 80 ومعاهد التنصيص 2 / 83 ) .