ابن عجيبة
316
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ومن قرأ بالفتح ؛ فعلى حذف الجار ، أي : ولأن اللّه مع المؤمنين ، وقيل : الخطاب للمؤمنين ، والمعنى : إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال ، والرغبة عما يختاره الرسول ، فهو خير لكم ، وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار ، أو تهييج العدو ، ولن تغنى ، حينئذ ، عنكم كثرتكم ؛ إذ لم يكن اللّه معكم بالنصر ، فإنه مع الكاملين في إيمانهم . قاله البيضاوي . الإشارة : إن تستفتحوا أيها المتوجهون ، أي : تطلبوا الفتح من اللّه في معرفته ، فقد جاءكم الفتح ، حيث صح توجهكم وتركتم حظوظكم وعلائقكم ، لأن البدايات مجلاة النهايات ، من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو علامة القبول آجلا ، وإن تنتهوا عن حظوظكم وعوائقكم فهو خير لكم ، وبه يقرب فتحكم ، وإن تعودوا إليها نعد إليكم بالتأديب والإبعاد ، ولن تغنى عنكم جماعتكم شيئا في دفع التأديب ، أو البعد ، ولو كثرت ، وأن اللّه مع المؤمنين الكاملين في الإيمان ؛ بالنصر والرعاية . ثم أمر بالسمع والطاعة ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 20 إلى 21 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه ، وَرَسُولَهُ فيما ندبكم إليه ، من الجهاد وغيره ، وَلا تَوَلَّوْا أي : تعرضوا عن الرسول وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ القرآن يأمركم بالتمسك به ، والاقتداء بهديه . والمراد بالآية : النهى عن الإعراض عن الرسول . وذكر طاعة اللّه إما هو للتوطئة والتنبيه على أن طاعة اللّه في طاعة الرسول ، لقوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ « 1 » ، ثم أكد النهى بقوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا بآذاننا ، كالكفرة والمنافقين ، ادّعوا السماع ، وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماعا ينتفعون به ، فكأنهم لا يسمعون رأسا . الإشارة : لما غاب عليه الصلاة والسلام بقي خلفاؤه في الظاهر والباطن ؛ وهم العلماء الأتقياء ، والعارفون الأصفياء . فمن تمسك بهم ، واستمع لقولهم ، فقد تمسك بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمن تمسك بما جاءت به العلماء ، فاز بالشريعة المحمدية ، وكان من الناجين الفائزين . ومن تمسك بالأولياء العارفين ، واستمع لهم ، وتبع إرشادهم ، فاز بالحقيقة الربانية ، وكان من المقربين . ومن سمع منهم الوعظ والتذكير ،
--> ( 1 ) من الآية 80 من سورة النساء .